فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - وكلمة أخيرة
وكلمة أخيرة:
وأخيراً دعنا نتساءل عن معنى الموضوع، فهل نعني به نوعاً واحداً من الحقائق، مثلًا: الإنسان، الشجر، الجبل، السماء، أم أنواع شتى يجمعها إطار واحد، مثل مايتصل بصفة الإنسان أو بنمو الشجر أو بمعادن الجبل أو بنجوم السماء؟
فإذا كان المراد الحقيقة الواحدة فإنّ الدليل ليس كذلك، لأنَّ البحث في الأصول قد يكون عن اللفظ (الكلمة) وقد يكون عن الوحي وقد يكون عن السيرة وهكذا. وهذه حقائق مختلفة.
أما إذا بحثنا عن حقائق يجمعها إطار واحد، مثل الصحة التي قد تتصل بالأدوية أو بالفيروسات والجراثيم أو بحالات الإنسان مثل الحمى والألم، فذاك الإطار ليس إلّا الهدف، وإذا إلتزمنا به فمعنى ذلك أننا تنازلنا عن الموضوع وتحوَّلنا إلى الهدف.
بل في أغلب المواضيع التي تُعتبر محاور للعلوم لابدّ من أخذ الهدف بعين الإعتبار، وإليك التوضيح التالي: علوم اللغة المختلفة مثل علم معاني اللغة (المعجم) وعلوم التجويد والصرف والنحو والبلاغة كلها تتمحور حول (الكلمة) ولكن كل علم من جهةٍ معيًنة، فتعالوا نبحث عن معنى الجهة، فهل الجهة إلا الغاية والهدف والمقصود؟ إذاً يندر أن تكون حقيقة واحدة محور علم واحد من دون أخذ الهدف بعين الإعتبار.
وإذا عدنا إلى علم الأصول، فإنَّ موضوعه ليس حقيقة خارجية واحدة، بل جملة حقائق تجمعها غاية واحدة هي الحجّة (دلالةً واعتباراً) وحتى لو قلنا أن الكلمة مثلا موضوع ما يتصل بمباحث الألفاظ والتي تشكل القسم الأول من هذا العلم، فإنّ الكلمة لن تكون كذلك إلّا من جهة الدلالة، وإذا أضفنا الجهة إلى البحث فإنها تدخلنا في بحث الغاية والهدف.
وإذا كان هدف علم الأصول مساعدة الفقيه على فهم الحكم الشرعي، فإنّ موضوعه هو الدليل إلى الحكم الشرعي. وواضح أنّ المراد من الحكم الشرعي هو وظيفة المكلَّف الظاهرية، ولعلَّ المحقّق الخوئي- قده- تبنّى وبتعبير مختلف هذا النظر حين قال- وهو يبيِّن فائدة علم الأصول-: أنها «تعيين الوظيفة في مقام العمل الذي هو موجب لحصول الأمن من العقاب». [١]
[١] - محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ١١.