فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٧ - خامسا توافق العقل والوحي
جيم: مرجعية المُحكمات
لأنّ في كتاب ربنا محكمات هُنَّ أم الكتاب، وهي الأصول التي فيها جوامع الحِكَم والتي يصدِّقها العقل، فإنها تكون دائما مرجع الآيات التي تبدو متشابهة بادئ الرأي، فإذا أُرجِعت إلى المحكمات أصبحت هي الأخرى، محكمات ومرجعاً لمتشابهات أخرى، وبهذه المنهجية المستمرة يتقدم الفقيه خطوة بعد خطوة نحو كشف أسرار القرآن ومن ثَمَّ معرفة لغته، وبالتالي معرفة لغة الحديث.
دال: تفسير المعاصرين للنص
العرف العام الذي رافق تَنزُّل الكتاب، وهم المعاصرون للرسول أو لمن عاصره، وكذلك المعاصرون لأئمة الهدى ومن عاصرهم، هؤلاء يُعتبرون أقرب لغة وأحسن فهماً لمصادر الوحي، وهكذا نستفيد من فهمهم للنصوص.
وهذه الإستفادة سوف لاتقتصر على فهمنا لمفردة من مفردات اللغة، بل الأهم هو النفاذ إلى منهجية اولئك في فهم نصوص الوحي بلا تكلّف ولا تأويلات بعيدة.
وختاماً نقول: إذا إجتهد الفقيه، ومن خلال تظافر هذه الأدلة وغيرها، لِكشف آليّة اللغة التي نطق بها الوحي وأهله، فإنّه يتقدم خطوة أساسية في معرفة أحكام الدين وتجاوز المسافة الزمنيّة التي تفصله عن عصر الوحي ولغة ذلك العصر، والأهم من ذلك تسديد الرب له بعد الإنابة إليه.
خامساً: توافق العقل والوحي
جوامع العلم، واصول المعرفة، وركائز الهدى، وبصائر الوحي، هي تلك الحقائق الكبرى التي أودعها الله سبحانه في كل عقل، وهي ميزان معرفة الإنسان، ولولاها لتاهت البشرية، ولم يعرفوا ربهم ولا الرسول والحجة. وهي الفطرة التي فطر ربنا الناس عليها، وهي المسبَّقات العقلية التي يُجْمِع عليها الناس على اختلاف مذاهبهم وطبائعهم، وهي الحجة فيما بينهم.
وهذه الأصول العقلية هي التي يوقظها الوحي في الإنسان لتصبح ركيزة لسائر شرائعه ووصاياه.