فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - ثالثا نظرية المحاكاة
للإضطراب والحركة نحو «النقزان» (لقفزات الظبي) والغليان والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال.
ثم أضاف إبن الجني تأييداً لما قاله العَلمان خليل وسيبويه: «ومن ذلك قولهم شدّ الحبل ونحوه، فالشّين بما فيها من التفشيّ تشبه بالصوت أول إنجذاب الحبل، ثم يليه إحكام الشدّ والجذب وتأريب العقد، فيُعبَّر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين، لاسيما وهي مدغمة فهو أقوى لصفتها، وأدل على المعنى الذي أريد بها.
وقد أعجب هذا الرأي بعض العلماء، ولكنّهم لم يستمروا في البحث العميق في هذا الباب بسبب ما إعترض عليهم من القول بأن الألفاظ إذا كانت تدل على معانيها بصورة طبيعية لَعَرف الناس جميعاً كل اللغات، وهكذا فإنّ الكلمات التي يمكن تفسيرها حسب هذه النظرية معدودة فلا يمكن أن ترجع عشرات الألوف من الكلمات ومعانيها إلى هذه النظرية المحدودة.
قالوا: مثلًا إذا كان حرف الغين يدل على الظلمة والإنطباق والخفاء والحزن كما ذهب بعضهم مستدلين بكلمة «غم» و «غيم» و «غبن» فكيف نفسِّر كلمة «غنى» و «غنج» و «غبطة»؟
وقد ناقش البعض هذه النظريّة بأنّه لوكانت العلاقة بين اللفظ والمعنى طبيعية لكان من المفروض أن يفهم كلّ الناس كلّ اللغات. ويمكن ردّ هذه المناقشة بأمرين:
الأوّل: لعلّ لغات العالَم كانت في البدء ناشئة من لغة طبيعية واحدة ثم تفرَّعت، كما أنَّ المبادئ العقلية عند البشر واحدة في الأصل، إلا أنّها تغيّرت بسبب المؤثِّرات الخارجيّة.
الثاني: ألا يمكن أن تكون فطرة الناس مختلفة من شعب لآخر، كما أنّ أذواقهم مختلفة؟ ألا ترى كيف أنَّ الناس يختلفون في تذوّق أنواع الموسيقى وهي ذات تأثير طبيعي على الأعصاب بالنبرات، كذلك نبرات الحروف يمكن أن تكون ذات آثار مختلفة، ولعلّ الآية الشريفة تشير إلى ذلك حيث يقول ربنا: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) [١]
[١] - الروم، ٢٢.