فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - كلمة أخيرة
كلمة أخيرة
وفي نهاية المطاف لنا عدة ملاحظات لابدّ أن نسجّلها:
١- إنّ هذه النظريّات (وبالذات نظريتي الوحي والإصطلاح) لاتتنافى فيما بينها، بل هي تتكامل مع بعضها البعض، لأنّ الوحي حينما نزل بلغةٍ (مثلًا بوضع إسم لشيء أو حَدَث) فإنّه قد يدلّ على وجود مناسبة بين الإسم والمسمّى، لأنّ الله سبحانه حكيم بالغ الحكمة، قد نرى آثار حسن تدبيره وواسع علمه وقدرته في كلما يحيط بنا، فسبحانه عن اللغو واللعب والعبث.
٢- صحيح أن الناس تواضعوا على الأسماء، ولكن من القريب جداً أن يكونوا قد تأثّروا بمشاعرهم وأحاسيسهم عند إختراع الكلمات، فلم يختاروا الكلمات للمعاني جزافاً ومن دون تفكير لأنهم كانوا عقلاء، خصوصاً ونحن نجد اليوم حين يخترع الناس كلمات لمعاني جديدة يختارونها بمناسبة معيّنة.
٣- ولايعني ذلك أنّ كل الكلمات ذات مناسبة معينة، بل هناك كلمات وُضعت لمناسبات أُخرى غير التوافق بين نغمات الحروف ومعاني الكلمات، وأبرز أمثلتها الكلمات التي استعيرت من لغة لأخرى أو إستخدمت مجازاً ثم أصبحت حقيقة مثل الكلمات التي تشير الى الأمور الجنسية.
٤- لاريب في إختلاف اذواق البشر وأحاسيسهم، والدليل على ذلك إختلافهم الشديد في تذوقهم للأطعمة والأشربة وللأدب والشعر والموسيقى. وهكذا إختلفت ألسنتهم ليس فقط لأنّ الشعوب تباعدت جغرافياً وتزايدت عوامل التأثير الثقافي والإجتماعي المختلفة مما جعلهم يتحدثون في البدء بلهجات مختلفة ثم بلغات مختلفة، ليس لذلك فقط وإنما أيضاً لإختلافهم في مدى التأثر بالنغمات التي تحدثها الحروف، وهكذا كانت منظومة المؤثِّرات اللغوية في شعبٍ مختلفة عنها عند شعب آخر. ومن هنا لايفهم أحدنا شيئاً من لغة الآخرين.