فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - ٢ - الحرف آلة بشرط الواضع
الاعراب ومنها ما هي ذات معان أكثر غنى وأعمق، فالألف واللام للتعريف علامة، بينما حروف الجرّ لا تبدو كذلك. وهذه الدقة لا يصل إليها إلّا الأدباء. والله العالم.
٢- الحرف آلة بشرط الواضع
عندما ذهب بعضهم إلى أنّ المعاني التي نفهمها من الحروف هي ذاتها التي نفهمها من الأسماء، مع الأخذ بعين الإعتبار إنَّ معنى الإبتداء ليس مثل معنى (مِنْ) ولا معنى (الانتهاء) مثل معنى (إلى)، لأنّهما لا يُتبادلان في الإستعمال، وعليه أشكل عليه الامر فقال: إنَّ الواضع إشترط أنْ يُستعمل الحرف آلة وغيرَ مستقلّ، بينما لم يشترط مثل ذلك في الاسم فاستُعْمِل مستقلا.
وقد ذهب إلى هذه النظرية إبن الحاجب في (المنتهى) و (مختصره) وتبعه بعض شُرّاحه كما تبعه من النحويين المحقِّق الرضي في شرح الكافية ومن الاصوليين الآخوند (في الكفاية [١]).
ويبدو لي من التأمّل في هذه النظرية أنَّ جوهرها ما ذُكِرَ في وجه الفرق بين الوضع الاسمي والحرفي، فقال المحقِّق الآخوند (قده):
«الفرق بينهما إنّما هو في إختصاص كلٍ منهما بوضع، حيث أنَّه وُضِعَ الإسم ليُراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه، والحرف لِيُراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره كما مرّت الاشارة إليه غير مرّة، فالاختلاف بين الإسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز إستعمال أحدهما في موضع الآخر، وإن اتفقا فيما له الوضع [٢]».
فالفرق في طبيعة اللغة الوضعيّة، وهذا هو محور سائر النظريات في الحرف، حيث أنَّ الحرف قد وُضِعَ للدلالة على معنى غير مستقل.
ومع هذا التصريح لا يبقى غموض في رأي المحقق الآخوند وأنه يرى اختلافاً جديّاً بين الوضعين حسب تفسير المحقق الروحاني لهذه النظرية حيث قال:
«إنّ العُلقة الوضعيّة المصحِّحة للإستعمال، الناشئة عن الإعتبار والوضع قد تكون ثابتة في مطلق الأحوال بين اللفظ والمعنى، فيصحّ إستعمال اللفظ في المعنى مطلقاً وفي
[١] - البحث النحوي عند الأصوليين، ص ٢١٦.
[٢] - منتقى الاصول، ج ١، ص ٨٨- ٨٩، عن: كفاية الاصول، للمحقق الخراساني.