فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٤ - ٣ - نظرية العلاقة بين اللغة والإشارة
من النظر إليه، إلى أنَّ هذا الموضع (هو) رأس الفرسخ» [١].
وهذا الكلام متين لأنّه عرفي وله نظائر، مثل: إشارات المرور وإشارات الأماكن (مثل: إشارة الخطر في مواقعه، وأعلام الدول، وعلامات الحدود الدولية، بل والشعائر الدينية التي ترمز إلى ما وراءها من حقائق، فإنّها جميعا دوالّ قد اعتبرها مَنْ اعتبرها لتكون علامة على معان تماما كاللفظ.
ولا فرق أبداً بينهما بالرغم من أنَّ المحقق الاصفهاني (قده) قد فَرَّقَ بينهما بقوله: «غاية الامر أنَّ الوضع فيها (اي في الدوال والمؤشِّرات الأخرى غير الألفاظ) حقيقي وفي اللفظ اعتباري [٢]».
وقد اقتضى كلامه رد المحقق الروحاني بالقول: «بأنَّ الوضع التكويني الواقعي لا يقتضي دلالة الموضوع على الموضوع له بنفسه، وإلا لزم أنْ يكون كُلّ عَلَمٍ دالا على رأس فرسخ [٣]».
وهو إعتراض متين حيث أنّ إشارات المرور وأعلام الدول وسائر الدوالّ هي الأخرى حقائق إعتبارية ووضعيّة، بمعنى أنَّ إدارة المرور هي التي أعطتها إعتباراً، ومن هنا فلو جَعَلَ شخص إشارة مرورٍ معيَّنة في الشارع من غير الرجوع إلى إدارة المرور فإنه يُعاقَب عليها، أو لاأقل لا يعتبرها العرف شيئا. وكذلك اللغة ذات دلالة جعليّة قد اعتبرها واضعوا اللغة.
ويبدو أنّ المحقِّق الوحيد الخراساني (دام ظله) قد ذهب إلى هذا الرأي، إذ رأى- حسب مُقرِّرِهِ- «إنَّ حقيقة الوضع هي العلامية والدليلية». وأوضح ذلك بأنَّ الانسان كان في بادئ الأمر يُبرز مقاصده بواسطة الإشارة، فلما وجد اللفظ كان دوره نفس دور الإشارة، واستشهد بحديث [٤] في تفسير البسملة جاء فيه معنى قول القائل (بسم الله) أي اسمي نفسي بِسِمَةٍ من سمات الله عزوجل وهي العبادة فقلت: وما السمة؟ قال: العلامة [٥].
[١] - منتقى الأصول، ص ٥٤ نقلا عن: نهاية الدراية ١/ ١٤ الطبعة الأولى.
[٢] - المصدر.
[٣] - المصدر، ص ٥٦.
[٤] - عن ابن فضّال عن الرضا عليه السلام عن بسم الله قال: ... (تحقيق الأصول، ج ١، ص ٧٦).
[٥] - المصدر.