فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - باء بين الموسع والمضيق
ألف: بين الفتوى والتعليم
هناك إختلاف بين نمط حديث الفتوى عن فقه الأصول، لاحتمال أن تكون الفتوى حسب ظروف معيّنة يعيشها المستفتي كأن يكون من شيعتهم فيفتي الإمام بحكم الله، أو لايكون فيلزمه بما ألزم نفسه، وقد يكون الفرد بحاجة إلى تشديد الحكم عليه ولائياً لتربيته فيلقي الإمام حكم الإستحباب بما ظاهره الوجوب، أو المكروه بما ظاهره الحرمة. وقد يكون قد تصرَّف بطريقة معينة فيكون حكمه مختلفاً عن غيره، وسائر الخصوصيّات التي تحيط عادة بحالة خاصّة. وقد صَنَّف الفقهاء مثل هذه المسائل في قضاء الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، بأنها قضيّة في واقعة، ذلك لأنّ القضاء بالذات يتصل بخصوصيات كثيرة جداً، مما لاتتشابه عادة واقعة بأخرى.
والقصّة المروية عن الإمام أبي جعفر الثاني عندما سأله قاضي القضاة يومئذ (يحيى بن أكثم) عن الصيد في الحرم (وكانت مسألة فتوى) فطرح عليه الإمام، عشرات الأسئلة في ظروف الصيد [١]، هذه القصة المعروفة أحد الشواهد على طبيعة إختلاف الأحكام حسب إختلاف الظروف المحيطة.
باء: بين الموسّع والمضيَّق
لأنّ من الأحكام الشرعية ماهي مضيَّقة لايسع المفتي إلا بيان الحكم الواقعي فيها، مثل وقت صلاة الجمعة، ومنها ماهي موسَّعة، مثل أوقات سائر الفرائض. ولأنّ الأئمة عليهم السلام كانوا يفتون الناس حسب ظروفهم التي يعرفونها بالتوسّم وبعلم الإمامة الكبرى، فإنهم كانوا يبيِّنون لكلٍ حُكْمَه الخاص في الموسَّعات. وربما كانت ظروفٌ خارجيّة تتصل بسياسة شيعتهم وإدارتهم تقتضي مثل ذلك الإختلاف، مثل المحافظة عليهم من بطش الطغاة وذلك بإلقاء الخلاف بينهم في الأحكام الموسَّعة، ومثل رعاية حالة ضعفائهم، ومثل التقية من الجبارين وما أشبه. وهكذا إختلفت الروايات .. وكان على الفقيه دراية الحديث لتمييز نمط الرواية: إنّها فتوى خاصة أو تعليم حُكْمٍ عام، وإنَّ موضوعها من الموسَّعات أو المضيَّقات، وأنها من نوع التعاليم الولائية أم قوانين الشريعة وهكذا ..
وهكذا أمر أئمة الهدى فقهاء شيعتهم بالدراية، لمعرفة معاريض كلامهم ولحن القول
[١] - بحارالانوار، ج ٥٠، تاريخ الإمام الجواد عليه السلام، ص ٧٦.