فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٨ - باء أصل المشتق
هؤلاء مادة عارية عن أيّة صيغة.
وفي ذلك يقول المحقق النائيني- حسب تقريرات درسه-: «إنّ مبدأ الإشتقاق لابد أن يكون أمراً غير متحصّل في عالم اللفظ والمعنى، ويكون تحصّله في كلتا المرحلتين بواسطة الهيئة، فنسبة المبدأ إلى الهيئات، كنسبة (المادة) إلى الصور النوعيّة، حيث إنّ المادة تكون (صرف القوة) وتكون فعليّتها بالصور النوعيّة، كذلك مبدأ الإشتقاق يكون معنى غير متحصّل بالذات، ويكون في عالم المفهوميّة صرف قوة ويتوقف فعليّته وتحصّله على الهيئة». [١]
وفي هذا الكلام ملاحظات شتّى نلخصها فيما يلي:
أولا: إنّ تفسير اللغة بالمفاهيم المستوحاة من الفلسفة والمنطق الأرسطي لايتناسب وطبيعة اللغة التي هي مجرّد علائم تواضع عليها الناس للتفاهم، وهي ليست مثل النقرة المذابة، ولاتخضع لمعادلات فيزيائية.
ثانياً: إنّ المراد من المبدأ الذي يصدر منه المشتق هو المعنى وليس اللفظ الذي يدل عليه، فإذا كان معنى إسم المصدر الحدث باعتبار وجوده بعيداً عن سائر روابطه فإنّ الإشتقاق إنما هو إضافة علامة تربط هذا الحدث بفاعله أو مفعوله أو زمانه أو مكانه، ولاضير- والحال هذه- أن يكون مبدأ الإشتقاق ذات صيغة تقولب بها لأننا لانستطيع أن نعبِّر عن الحدث إلّا به. مثلًا: إذا وقع زلزال في منطقة فنحن نعبِّر عن هذا الزلزال تارة بذاته فنقول (زلزال)، وقد نعبِّر عنه بارتباطه بمكانه ونقول: إنّه وقع في أندونيسيا، وربما عبّرنا عنه مرتبطاً بزمانه ونقول: في يوم السبت، وقد نعبِّر عن سببه، وهكذا ..
كذلك (الخلق)، فإنه تعبير عن حدث، وحين تريد ربط هذا الحدث بفاعله" الله" أو مفعوله" السماوات والأرض" أو وقته" ستة أيّام" فإننا سوف ننحت من الكلمة ذاتها تعابير ونغيِّرها لإيجاد معنى عرضي يدل على هذه النسب والروابط، وهكذا قال الله سبحانه (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [٢].
تماماً مثلما ننحت في العربية من جمل معيّنة ألفاظاً للدلالة على النسب مثل قولنا" بسملتُ" أي قلتُ:" بسم الله الرحمن الرحيم"، أو" تحوقلتُ" أي قلتُ:" لاحول ولاقوة إلا بالله".
[١] - المصدر، ص ٩٥، عن: فوائد الأصول، ١/ ٢٣.
[٢] - الأعراف، ٥٤.