فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - ١ - بين الأصول والفروع والمحكم والمتشابه
هذه الموارد التي ذُكرت فيها كلمة الحرج، نستفيد أبعاد ومعاريض هذه الكلمة المحورية في كتاب الله المجيد والتي تحدِّد الكثير من مفاهيم الشريعة السمحاء؟
وهكذا يتوضَّح المحكم كلّما ضربنا له أمثلة وردت في الكتاب والسنّة، وكلما توضَّح المُحكم عرفنا أحكام سائر الأمثلة التي لم ترد بعينها في الكتاب والسنّة، وذلك معنى رد الفرع الى الأصل الذي امرنا به، فقد جاء في الحديث:
محمد بن أدريس نقلًا عن كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) أنّه قال:
«إنما علينا أن نلقي اليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا. [١]»
ويبدو إنّ كلمة الإستنباط التي وردت في سياق الحديث عن العلماء تعني إنتزاع حكم فرع من عمق أصل كما يُستخرج الماء من بئر عميقة.
قال الله سبحانه: (ولَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ). [٢]
وهكذا قال بعضهم في معنى الفقه إنّ معناه معرفة الغائب إنطلاقاً من معرفة الشاهد، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ معناه الإستفادة من المُحكم حُكْم المتشابه، ومن الأصل حُكْم الفرع، قال الله سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). [٣]
وهذه المحكمات هي الحكمة التي تجري في الأحكام كما يجري النور في إنسانة العين. والله سبحانه حين مَنَّ على الأمة، بَعَثَ فيهم رسولًا من أنفسهم ليزكّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة، فقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). [٤]
[١] - وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٦، ح ٥١، ص ٤٠.
[٢] - النساء، ٨٣.
[٣] - التوبة، ١٢٢.
[٤] - الجمعة، ٢.