فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٧ - دال مناقشة في نظرية النحو العالمي
النحو هو منطق العرب، وقد اكتشف بعض علماء الألسنية أن القواعد النحوية في مختلف اللغات العالمية متشابهة بل هي واحدة في جوهرها، وإذا عرفنا أنَّ قواعد التفكير هي عند البشر واحدة، لوحدة المسبّقات الفطريّة، فإنّ ذلك يدلنا على مدى تطابق الفكر والمنطق.
جيم: النحو والقواعد في اللغات البشرية
وهكذا دأب أنصار نظريّة النحو التوليدي وبالذات تشومسكي المولود عام ١٩٢٨ م على تطوير نظرية نحوية عالمية حيث يذكر ايلوار: «إنَّ من المسلّمات الأولى للنحو التوليدي وضع قواعد شاملة أو إنشاء نظريّة نحويّة تستطيع شرح القواعد في سائر اللغات. ويستند هذا- كما يقول ايلوار- إلى آراء النحاة المناطقة الذين ارتأوا أنّ أنماط التفكير التي التزم بها العقل البشري قد فُرِضَت على اللغات كافة.» [١]
والذي يتأمّل في محاولات هؤلاء ضبط القواعد النحوية في هيكليّة هندسيّة يتذكر أرسطو ومحاولاته وضع قواعد هندسيّة للتفكير، إلا أنّ هؤلاء يعترفون بما لم يعترف به المناطقة اليونانيون وأتباعهم والنحاة العرب سابقاً بأنَّ قدرة العقل البشري في تطوّر مطّرد، وأنَّ اللغة لاتزال تتطوَّر فلا يمكن إعتماد قواعد جامدة لضبط حياةٍ متطوِّرة وعقل متفتِّح على تلك الحياة المتطوّرة، ولغةٍ تعبِّر عن ذلك العقل وتلك الحياة. يقول تشومسكي: «إنّ النظريّة النحويّة لابد من أنْ تعكس قدرة جميع المتكلمين بلغةٍ مّا على التحكم في إنتاج جُمَل وفهمها دون أن يسمعوا بها من قبل، كما رأى أنّ الجمل التي تولّدها القواعد النحويّة لابد من أنْ تكون مقبولةً من أبناء اللغة .. وقدَّم تشومسكي هنا حدس أبناء اللغة على أنه دليل مستقل وأصلي في الحكم على الجُمَل.» [٢]
دال: مناقشة في نظرية النحو العالمي
وإذا كانت لدينا ملاحظة على نظريّة النحو التوليدي فهي ذات الملاحظة على سائر المدارس التي تتعصّب لنظرية دون التوجّه إلى سائر النظريات ذات الصلة بموضوعها. ثم إنّ نظريّة النحو التوليدي أولت إهتماماً بالغاً بشكل الجملة دون محتواها، تماما مثل نظرية أرسطو في المنطق حيث أنّها إهتمت بصورة المنطق وأهملت المحتوى، ففي المنطق الشكلي
[١] - مبادئ اللسانيات، ص ٢٥٧، نقلا عن: مدخل إلى اللسانيات (رونالد ايلوار) ص ١٤٢.
[٢] - المصدر، ص ٢٥٨، نقلًا عن: جون ليونز، نظرية تشومسكي اللغوية، ترجمة حلمي خليل، ص ٧٤- ٧٩.