فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - ١ - الحرف علامة
السير والبصرة، أو إنْ شئتَ قلتَ نسبةً بين هذا وذاك عَبَّر عنها بحرف (مِنْ) [١].
وأمّا ما استشكل به (الفارسي) في أنَّ أسماء المعاني والأحداث (مثل الضرب) هي الأخرى تعبِّر عن معنى في غيرها، فما هو الفرق بينها وبين الحروف؟ فإنّه إشكال غريب لا ينبغي أن يصدر من مثله، والسبب أنَّ الأحداث قد يُنظر إليها كظاهرة مستقلّة لا نسبة فيها، فهي آنئذ إسم، مثل: المصدر، وإسم المصدر، وقد يُنظر إليها باعتبارها متصلة بغيرها، فهنالك يتحوّل الحدث إلى فعل، والفعل ينطوي على نسبة (أو قل على معنى حرفي) وهكذا يصبح برزخاً بين الإسم والحرف أو جامعاً بينهما. وفي نظري إنّ خبراء اللغة إذا قطعوا صلتهم بأهلها وأخذوا يتأملون فيها بعيداً عن مواضع إستعمالاتها ودقائق دلالاتها وأرادوا قياسها في قواعد ثابتة إخترعوها أو إقتبسوها من علم آخر مثل المنطق، فإنهم يقعون في بعض الاشكالات كالتي سبقت.
وعموماً إذا اتبعنا المنهجية التي سبق وأنْ بيّناها في امر اللغة- وهي التأمل في الحقائق التي نريد التعبير عنها- وإذا عرفنا في مسالة الحرف بالذات الحاجة إلى بيان النسبة بين الاشياء، ثم تأمّلنا في اللغات المختلفة وفي تطوّراللغة الواحدة في مراحل تكاملها، فلعلّه إذا فعلنا ذلك- نتجنب الكثير من الغموض في معاني الكلمات وفي المعنى الحرفي.
الحروف عند علماء الأصول
وقد تبادل خبراء اللغة وعلماء الاصول الآراء في معنى الحرف فتشابهت أقوالهم، غير إنّ منحى الأصوليين كان المزيد من التأمّل وربما استخدام تعابير المنطق الصوري (الارسطي) وحتى المناهج الفلسفية في استكناه الحرف ومعناه، بينما إعتمد أكثر النحاة منهج الإستقراء ودراسة كلمات أهل اللغة.
وآراء الأصوليين هي التالية:
١- الحرف علامة
قال بعضهم: «إنَّ الحرف لا معنى له أصلًا، وإنما وُضِعَ ليكون (علامةً) على كيفية إرادة مدخوله من الاسماء والأفعال [٢]».
[١] - مزيد من التوضيح تجده إن شاء الله تعالى عند بحث آراء الاصوليين.
[٢] - البحث النحوي عند الاصوليين، ص ٢١٠. (وبتعبير آخر: إنّ الحرف يصبغ مدخوله إسماً كان أو فعلًا بصبغةٍ معيَّنة).