فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - تمهيد
القسم الثالث: عن أقسام الوضع ووضع الحروف
تمهيد
لقد بحث العلماء في أقسام الوضع وتعمَّقوا في إمكانية بعض أقسامه، ويبدو أنَّ وضع الحروف هو الذي أثار فيهم حس التتبع في وضع الحروف، حيث أنّ الحروف قد وُضِعت لتكون رابطة بين الأسماء، ووظيفتها ليست ذاتية بل تابعة للأسماء، فقال بعضهم: إنَّ طبيعة وضعها مختلفة عن طبيعة وضع الأسماء. كيف؟ قال: إنّ الاسم قد يكون خاصا مثل (جعفر) الذي يضعه الوالد لولده، وقد يكون عاما مثل (إنسان) إسما لبني آدم، وهكذا حين وضع الوالد لابنه إسما تصوَّره وتصوَّر خصائصه ثم وضع له الاسم، فالتصوّر كان خاصاً والوضع تبعا له يكون خاصاً. وكذلك حين وضع الواضع كلمة (إنسان) للبشر، تصوَّر نوعاً عاماً من الأحياء يشمل أفرادا كثيرين ثم وضع له إسما، فالوضع والموضوع له كلاهما عام، أمّا الحروف فالأمر فيها مختلف، حيث لا إستقلال فيها حتى تُتصوّر ثم تُوضع لها ألفاظ، بل لابد من تصوّر معنى عام وهو معنى الربط (حسب طبيعة الحرف) ثم يوضع اللفظ لخصوص إستخدام ذلك المعنى العام في حالة خاصة. وهكذا تساءل البعض عن كيفية هذا الوضع، فهل يمكن أنْ يتصوّر الواضع شيئاً عاماً مثل معنى الظرفية ثم يضع لفظاً خاصاً مثل لفظ (في) للإستخدامات الخاصّة حيث أنَّ هذا الحرف (في) لا يمكن إستخدامه وحده، بل لابدّ أن يكون ذلك ضمن جملة معيَّنة مثل (المؤمن في المسجد) فإنَّ اللفظ لم يوضع لمعنى عام بل للاستخدام في معنى خاص.
ومن هنا بدء البحث في حل هذه الإشكالية، وابتدء البعض حديثه عن إمكانية مثل هذا الوضع. وهذا ديدنهم في بحوث الألفاظ حيث يشرعون ببحثها ثبوتاً، أي في إمكانيّة