فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - حوار في الحقيقة الشرعية
وطبيعي أنَّ كل مبدأ جديد ونظام جديد يُدخِل في وعي الناس أسماء جديدة حسب ثقافته وقوانينه، وهكذا يتبادر إلى فهم الناس من ذكر الأسماء ما استجد من المعاني وليس المعاني القديمة. وهكذا إذا نادى المؤذِّن بالصلاة فإنَّ هذا الإسم سوف يعكس في الذهن هذه العبادة بما لها من أحكام جديدة وليس الصلاة السابقة التي يقول عنها ربنا سبحانه: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) [١].
وكذلك الصيام والحج.
وكذلك كلمات مثل البيع والإجارة والتجارة والدَيْن، إنها أسماء لذات المعاني السابقة، إنما تختلف أحكامها بعد إضافة شروط جديدة فيها.
يبقى أن نعرف أنه عند ذكر كلمات على لسان الشرع ومن ثم الشك في أنّها تعني مصطَلَحاً جديداً أم أنّ معانيها هي ذات المعاني السابقة، فإنّ الأصل هو أنّ الكلمة تعني معناها عند الناس باعتبار أنّ الشارع يتحدث بلغتهم.
وهكذا نعرف أن كلمات مثل السفر والشهود، والمرض والصحة، والأمن والحرب، والعسر والحرج، والتكلّف، والفساد، والبلوغ، والطمث، والغنى والفقر، والقسط، والعدل، والظلم، والبغي، والمئات من الكلمات التي أصبحت محوراً لأحكام شرعية، إنها جميعاً لاتعني سوى المعاني اللغوية التي يفهمها العرف إلّا إذا علمنا يقيناً إنّ مصطلحاً جديداً إخترعه الشرع عبر إضافة قيد أو شرط أو ماأشبه.
ولولا ذلك لانهدمت أسس الشريعة، ولم تتم الحجة على الناس بسبب الشك في كلمات الرسل، ولِما سبق أنَّ الرسل يتحدثون بلسان قومهم.
حوار في الحقيقة الشرعية
مع هبوط ملك الوحي عليه السلام على النبي (صلى الله عليه وآله)، يحمل معه بصائر جديدة، أصبحت اللغة العربية- التي أرادها الرب سبحانه وعاءً لتلك البصائر- أكثر غنى وأوسع معاني، حيث كانت الألفاظ تشير إلى حقائق خارجية محدودة جداً فإذا بها إستوعبت حقائق واسعة على مدى تلك البصائر الإلهية البالغة سعة وعمقاً.
[١] - الأنفال، ٣٥.