فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - ثانيا نظرية الإصطلاح
بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [١]
وقال سبحانه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) [٢] و [٣]
وهكذا ذهب بعض اللغويين إلى أنَّ اللّغة وحي، مثل إبن فارس، كما ذهب إلى ذلك بعض الفلاسفة مثل دوبونالدDe bonald ، كما ذهب إليه من علمائنا المحقِّق النائيني (قده) حسبما نأتي للحديث عنه إن شاءالله في الحوار.
والواقع إنّ الله سبحانه قد خلق للإنسان كل وسائل النطق، وألهم الأنبياء عليهم السلام أصول الكلمات ثم تفرّعت عند البشر، ولاينفي هذا الرأي سائر النظريّات بل يتكامل معها.
ثانياً: نظرية الإصطلاح [٤]
أليس هناك دور للإنسان في إبداع وتطوير اللغة؟ ونحن نرى أن الإنسان وعبر آلاف القرون المتطاولة أبدع واخترع وطوّر العلوم المختلفة، فما المانع من تصوّره وهو يُبدع اللغات ويطوّرها؟ وإذا كان هذا المخ البشري الذي يغزو اليوم الفضاء ويسبر المحيطات ويطوي الجغرافيات بوسائل التواصل المختلفة، إذا كان هذا المخ محتاجاً في يوم إلى التفاهم،
[١] - العلق، ١- ٥.
[٢] - البقرة، ٣١- ٣٣.
[٣] - إختلف المفسّرون في هذه الآية، فمنهم من قال إن الله سبحانه علّم آدم اللغات (عن ابي علي الجبائي وغيره) وقيل إنّه علّمه معاني الأسماء والعلوم (عن إبن العباس) وروي عن الإمام الصادق عليه السلام «الأرضين والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علّمه.» (راجع تفسير مجمع البيان، عند تفسير الآية الكريمة).
[٤] - ذهب إلى هذه النظرية أكثر العلماء قديما وحديثاً. وفي ذلك يقول:" بيار غيرو": أن تكون اللغة نظاماً من الرموز الإعتباطية وغير المعلَّلة هو مسلَّمة من إحدى مسلّمات الألسنيّة الحديثة، كما تفترض هذه المسلّمة أيضا أن تنعدم العلاقة الطبيعية بين الإسم والشيء المسمّى، وأن الفضل يعود للعلاقة الإصطلاحية القائمة بين كل من الإسم" حصان" وبين الحيوان المحدّد في إبلاغ السامع المعنى المراد (علم الدلالة، ص ٣١). أما علماء الأصول فإن النظرية السائدة عندهم الآن تميل إلى مثل ذلك بإستثناء المحقق النائيني (قده) الذي تبنّى نظرية الوحي.