فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - جيم دلالة الفعل على الزمان
إنّ التعبير عن الحدث يكون باسم المصدر فهو إذاً: مبدأ المشتق، والله العالم.
جيم: دلالة الفعل على الزمان
ذهب أكثر علماء العربية إلى أنّ الفعل يدل على الزمان، فإنك حين تقول:" شربت الشاي" فإنّ المستمع إليك يفهم أنه قد تم ذلك في الماضي، وكذلك إذا قلت:" تشرب الشاي" يعني الآن أو مستقبلًا. وقد وُضِعت في اللغة العربية كما سائر اللغات منظومةٌ من الأدوات للدلالة على الأزمنة المختلفة، وقد أشرنا إليها في موقع آخر مما نعرف إنّ الزمان مما يهتم المتحدثون بالتعبير عنه، فإذا لم يكن الفعل دالًا عليه كان ينبغي لهم أن يستخدموا أدوات جديدة للتعبير عنه مثلما نجدها في اللغات البسيطة التي تصرِّح بكل المعاني بألفاظ خاصة مثل أن يقول: (الشّرب أنا الشاي سابقاً، أو الآن أو لاحقاً).
وإذا كان التعبير عن الزمان من قصد المتحدث، واذا كان يُفهم بمجرد التلفظ بالفعل، فهذه هي الدلالة. ولكن بعض علماء الأصول ومنهم المحقِّق الخوئي (قده) أنكروا دلالة الفعل على الزمان، لأنَّ الأفعال" لاتدل عليه لا مادّة ولا هيئة، أمّا بحسب المادة فظاهر لأنّها لاتدل إلا على نفس الطبيعة المهملة غير مأخوذة فيها أية خصوصيّة فضلًا عن الزمان، وأمّا بحسب الهيئة فقد تقدّم أنَّ مفادها نسبة المادة إلى الذات بنحوٍ من أنحاء النسبة، فالزمان أجنبي عن مفاد الفعل مادة وهيئة [١]" ثم قال: «ومما يدلنا على ذلك مانرى من صحة إسناد الأفعال إلى نفس الزمان وإلى مافوقه من المجردات الخالية عن الزمان» [٢].
وهذا الدليل الأخير كما يبدو هو محور إهتمامهم، وإلّا فإنّ الدليل الأول هو مجرد مصادرة وتكرار الدعوى بصيغة أخرى. ولكن هذا الدليل عليل لأنّ سنخ الحديث عن المجردات مختلف عن سنخ الحديث عن الماديات التي وُضعت اللغة في إطارها ولايُقاس بينهما، خصوصاً إذا تسامى الحديث إلى مقام الربوبية فإنّ الألفاظ هناك لاتدل بذات الدلالة التي نتحدث بها عن المخلوقات وهو معلوم في علوم المعارف الإسلامية. وهكذا فإنّ قولهم في عدم دلالة الفعل على الزمان أمر غريب ومخالف للوجدان ولما هو متعارف عند أهل اللغة، وإذا كان علماء اللغة هم خبراؤها فالإنكار عليهم في أمور اللغة أمر غريب جداً لأنّ محور دلالة الألفاظ التبادر وهم الشهود عليه.
[١] محاضرات في أصول الفقه، ص ٢٥٩.
[٢] المصدر، ص ٢٦٠.