فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٩ - ثانيا الملازمة الوضعية بين اللفظ والمعنى
ثانيا: المُدَّعون للصلة الطبيعية يرون أنّها أعراض للحروف المنطوقة، فهي مثل لون البرتقال ورائحة التفاح، فعندهم تُعتبر كل نبرة حرف مؤثِّرة في الأعصاب تأثيراً معيّناً، فالتأثير من أعراضه، ومن خلال إجتماع حروف معيّنة تتحقق مناسبة بين الكلمة والمعنى. والله العالم.
وبهذه الملاحظة نناقش أيضا ما بَيَّنه المحقق الاصفهاني [١] من أنّ إستعمال اللفظ متأخر عن الوضع وثبوت الصلة والارتباط بينه وبين المعنى، فكيف يكون الإستعمال- استعمال الكلمة في المعنى- سببا للمعنى. وجه المناقشة ما يلي:
المدَّعي للصلة الطبيعية يرى أنَّ هذه الصلة لا علاقة لها بالاستعمال، فهي مثل صلة النار والحرارة، لا علاقة لها باستعمال لفظ النار في معناها وانما هي سابقة عليه.
ألا ترى أنّ هناك صلة بين ألفاظ الأصوات وبين معانيها، مثل: التأوّه، النحنحة، الهدهدة. كما أنّه يُقال: أزيز الرصاص، حفيف النخل، زغردة النساء- وهي كلمات ذات صلة طبيعية بين اللفظ والمعنى قبل الإستعمال.
ثم إنّ المحقق المزبور ناقش أيضا في صلة اللفظ بالمعنى بوضوح وجود ألفاظ موضوعة لمعان من دون أيّة صلة بينهما.
والجواب عن هذه المناقشة أنَّ المدعي للصلة لا يحصر العلاقة بين اللفظ والمعنى بها، بل قد تتحقق الصلة بذات الوضع مثل المصطلحات الطبيعية، كما لا يدَّعي عدم إمكان تغيير وضع الكلمة من معنى لآخر لأي سبب كان.
ثانياً: الملازمة الوضعية بين اللفظ والمعنى
وبعد أن نفى هذا الفريق من الأصوليين وجود أيّة صلة بين اللفظ والواقع الخارجي الذي يدل عليه [٢] تبعاً لرأي المعتزلة في التاريخ [٣]، بحثوا عن حقيقة العلاقة بين اللفظ والمعنى. حيث ذهب كل فريق منهم إلى رأي مختلف، وفيما يلي نفصِّل تلك الآراء بإذن الله تعالى.
[١] - انظر: المصدر، ص ٤٦، عن: حاشية المحقق الاصفهاني نهاية الدراية، ج ١، ص ١٢ الطبعة الأولى.
[٢] - يبدو ان الألسنية الحديثة تسمي الواقع الخارجي: (المرجع) بينما تسمي المعنى الذهني الذي يتداعى باستخدام اللفظ: (المدلول).
[٣] - مبادئ اللسانيات، ص ٢٨٦ عن السيوطي في المزهر، ١/ ٨- ٣٠.