فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٢ - جيم تقييم الحديث بالمحكمات من الأحاديث
جاء في حديث شريف مأثور عن عمر بن حنظلة فيما سأل الإمام الصادق عليه السلام في اختلاف الحديث، جاء فيه:
قلتُ فإنهَّما (أيّ: اللذَيْن إختلفا في الحديث) عَدْلان مرضيّان عند أصحابنا، لايُفَضَّل واحد منهما على الآخر، فقال:
«يُنظَر إلى ماكان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المُجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حُكمِنا ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنَّ المُجمع عليه لاريب فيه. وإنما الأمور ثلاثة: أمر بَيِّن رشده فَيُتَّبع، وأمر بَيِّن غَيُّه فَيُجْتَنب، وأمر مُشكلٌ يُرَدُّ علمه إلى الله وإلى رسوله». [١]
وهكذا نستفيد من الحديث أنَّ هناك حقائق واضحة لاريب فيها، فهي من النوع الذي بَيِّنٌ رشده، وهي في ذات الوقت مُجْمَعٌ عليه عند الطائفة ومشهور بين أصحاب البصائر منهم، وهي المحُكمات من الحديث التي هي المرجع للمتشابهات.
وهكذا جاء في الإحتجاج عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال:
«إنَّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومحُكماً كمُحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محُكمها». [٢]
ويبدو إنَّ الأحاديث المحكمة هي التي تبيِّن أصول الشريعة، وجوامع العلم، والقواعد العامة التي يرجع إليها الفقهاء في معرفة الأحكام، أما المتشابهة فهي الأحاديث التي تبيِّن مصاديق تلك الأصول، وفروعها مما تختلف باختلاف الظروف والمتغيّرات، وإليك مثالًا للجوامع (المُحكمات)، ومن ثَمَّ مثالًا للفروع (المتشابهات):
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله في الحيض ثلاث سُنَنَ بَيَّنَ فيها كلّ مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لايدع لأحد مقالًا فيه بالرأي»
ثم مضى الإمام عليه السلام في بيان تلك السنن التي هي- حسب الظاهر- بعض مرادهم من الأصول التي قالوا عنها:
«إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تُفَرِّعُوا.» [٣]
وكذلك من تلك المحكمات مابَيَّن الإمام عليه السلام بعد ذكرها بأنّها من الأبواب التي
[١] - الكافي، ج ١، باب اختلاف الحديث، ح ١٠، ص ٨٨.
[٢] - الإحتجاج، ج ٢، ص ٤١٠.
[٣] - وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٦، ح ٥١، ص ٤١.