فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٩ - ملاحظات حول النظرية
ملاحظات حول النظريّة
وهذه النظرية تتوافق والوجدان اللغوي فيما تتصل بوحدة الجملتين من حيث حكايتهما عن واقع، وإنّما تختلفان في حكاية الجملة الخبريّة عن أمر خارج النفس، بينما الإنشائيّة تحكي عن أمر في النفس وهو التعهّد والإعتبار إلّا أنّ هناك جملة ملاحظات جانبيّة.
أولًا: إنّ الجملة الإنشائية قد تكون كاذبة إذا لم تعكس مافي النفس، مثل من يشهد ظاهراً بشيء ولكنّه ينافق، فإنّ الشهادة تحكي واقعاً نفسانياً هو الإيمان والتعهّد، ولكنّها تكون كاذبة إذا كانت غير موافقة لما في القلب، قال الله سبحانه:
(إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [١].
فالشهادة حكاية عن أمر نفساني ولكنه غير واقع، وهكذا قد يكون الإستفهام إستهزاءً، والطلب سخريّةً، والنهي أمراً، وهكذا مما هو معروف عند علماء البلاغة.
ثانياً: إنّ الجملة الخبريّة تحكي الواقع الخارجي وليست تقصد الحكاية، إنّما المتكلم هو الذي يقصد الحكاية بها، وإظنّ أن تعبير المحقق الخوئي فيما يأتي من نص كلامه: (بقصد الحكاية) مسامحة، والأمر سهل.
ثالثاً: ذكر المحقّق الخوئي إنّ دلالة الجملة الخبرية على معناها لاعلاقة لها بثبوت النسبة في الخارج وعدمها، حيث قال قدس سره:
«إنَّ قانون الوضع والتعهّد يقتضي عدم تخلّف الوضع عن الدلالة على معنى الموضوع له في نفسه، فلو كانت الجملة الخبريّة موضوعة للدلالة على النسبة الخارجية لدلّت عليها لامحالة». [٢]
وأضاف: «إنّ الجملة الخبريّة لم توضع للدلالة على ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها عنه، بل وُضِعت لإبراز قصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر». [٣]
وقال: «إنّ الجملة الخبرية من جهة الدلالة الوضعيّة لاتتصف بالصدق والكذب،
[١] - المنافقون، ١.
[٢] - محاضرات في اصول الفقه، ج ١، ص ٩٦.
[٣] - المصدر، ص ٩٧.