فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - الدراسة الشمولية للدلالة
الذي بنى حضارته على أساس الفلسفة اليونانية، نبذ ذلك المنطق الذي اعتبره مقيِّداً للفكر فانطلق في آفاق المعرفة التجريبية. [١]
ثانياً: إنَّ البعض أراد فقه الدين من غير السبيل الذي أُمر به، فلم يفلح، وقد سبق وأنْ بينّا إنّ السبيل الأوحد لفقه الدين هو الإيمان به والإستنارة ببصائره كلها ثم تزكية النفس وتلقي الحكمة من ينبوعها.
ثالثاً: إنّ اللغة ليست وحدها كافية لفهم حقائق الفكر، ولقد أدركت البشرية مدى محدوديّة اللغة في نقل كل المشاعر والمعارف، ناهيك عن وسائل أخرى مثل النحت والفن التشكيلي والمسرح والفلم وما سواها، بالإضافة إلى محاولة توسيع دائرة اللغة وتوسعة آفاقها عصراً بعد عصر.
أمّا الوحي الذي جاء بتبيان كل شيء فإنّه لاتستوعبه الكلمات من دون التدبّر فيها والدراية لها، يعني الإستفادة من مخزون العقل ومسلّمات القلب.
رابعاً: اللغة جسر التفاهم بين الناس، وهي ذات دلالات كثيرة جداً، وفهم جزء منها دون سائر أجزائها يخل بدلالتها التامة، وهي موجود حي بحياة أبنائها، فهي أشبه ما تكون بالنفس البشرية التي يصعب سبر غورها.
ومن هنا تعدَّدت أبواب دراستها إبتداءً من فهم الكلمة، وانتهاءً بفهم إشارات الكلام مما تسمّى بدلالة الإقتضاء وسائر النكات البلاغية المتنوِّعة جداً، والتي لاتختص بلغة دون أخرى، ومروراً بدراسة المعجم والصرف والنحو والبلاغة.
الدراسة الشمولية للدلالة
واليوم حيث توسَّع علم اللسانيّات إستطاع الباحثون إستيعاب بعض أبعاد اللغة عن طريق مختلف وسائل الدراسة، وسوف نقف إن شاء الله تعالى عند هذه النقطة لاحقاً. إلا أنّ ما يجدر بنا معرفته الآن هو أنّ التركيز على بعض أبعاد الدلالة دون غيرها يُفقدنا المعنى الحقيقي لها، وبسبب ضآلة المصادر قديماً، نجد إنّ البعض كان يحاول التوصّل إلى معنى كلمة بالمزيد من الدراسة التحليلية لها دون العودة إلى سائر أقسام الدلالة مما زاد في
[١] - أنظر: دراستنا في هذا المضمار وبالذات في الكتب التالية:
المنطق الإسلامي، العرفان الإسلامي، مبادئ الحكمة، التشريع الإسلامي الأجزاء ١- ٢- ٣.