فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠
خامساً: حكم المشتق الذي إنقضى عنه المبدأ من الناحية الشرعية يعتمد على دليل الحكم، فإنْ كان الدليل بحيث يشمل المتلبس ولو آناً مّا أخذنا به، وإن كان الحكم دائراً مدار الوصف وجوداً وعدماً، فإنّه لايشمل حال الإنقضاء. ففي مثل السارق والسارقة أو الزانية والزاني فلأنَّ الحكم هو حكم السرقة والزنا وقد إرتكبهما المكلَّف فعليه الجزاء حتى يتم إسقاطه، وأمّا في مثل المتقين والفاسقين والفقهاء والسفهاء فإنّ الحكم يدور مدار الصفة وجوداً وعدماً.
وقد سبق أن بيّنا الفرق بين نمطي المشتق مما يبقى أثره أو لايبقى. وإذا إفترضنا نمطاً من المشتق لايبقى أثره عادة ولكن مع ذلك علمنا من الخارج إستمرار الحكم عليه نكتشف أنَّ الحكم لايدور مدار الصفة (أو المبدأ) وجوداً وعدماً بل وجوداً فقط بحيث لو وقع مرة واحدة، إستمر الحكم مثل قوله سبحانه: (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [١].
فبالرغم من أنّ عابد الوثن الذي آمن وتاب لايُسمّى ظالماً الآن إلّا أن المفهوم من الآية حسب الأحاديث الشريفة أنه لايصلح لمنصب الإمامة الكبرى لخطورة ذلك المنصب، فيكون حال الظلم آنئذ في مثل هذه المسألة حال السرقة والزنا مما يبقى أثرهما بعد حدوثهما.
أمّا عند الشك فالمرجع الأصول العملية كما بيّنا سابقاً.
سادساً: إنّ المرجع النهائي في فهم اللغة ليس التحليل العقلي وإنما ماتواضع عليه العرف، ونفهم ذلك من خلال تبادر المعنى إلى ذهن المتحاورين بتلك اللغة. وأما التحليل العقلي فربما يشوش على الذهن ما يتبادر إليه.
ومن هنا فعلينا ألّا نعوّل على التحليل العقلي بل على الفهم العرفي الذي نكتشفه ليس فقط بما نفهمه من خلال التبادر بعد تفريغ الذهن من شوائب التحليل العقلي، بل وأيضا من خلال المحاورات الجارية بين الناس وكيفية إستعمالهم للكلمة، فإنّ الإستعمال على سبيل المجاز يختلف عن الإستعمال على سبيل الحقيقة إختلافاً كبيراً وظاهراً عند المتحاورين باللغة. ومن هنا إستطاع علماء اللغة معرفة معاني الكلمات والتي أدرجوها في
[١] - البقرة، ١٢٤.