فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - ثانيا نظرية الإصطلاح
لماذا لانصدِّق وجود عظماء إخترعوا اللغات أو طوّروها؟ واليوم نحن نشهد البشر كيف يبدعون لغات (مثل لغة الحاسوب) ويطوِّرون اخرى، فما من لغة إلّا وهي تخضع للتطوير عبر الحاجة الجمعية حيث يقوم كلّ واحدٍ بتطويرها بنسبة معيّنة ولو كانت ضئيلة جداً. إلّا أن تواصل الناس فيها وتراكم تجارب الملايين من المتحدثين بلغة يجعل مدى التطوير كبيراً، علماً بأنَّ اللغة كائن حيّ بحياة من يتحدثون بها.
وكما يطوّر الناس الخط، وعلامات المرور، والإشارات، وعشرات أدوات التواصل:" الهاتف، الهاتف النقّال، الراديو، التلفاز، الإنترنت" كذلك يحتمل أن يكون قد طوّروا اللغات، علماً بأنَّ الحاجة اليوم إلى المزيد من التواصل أملت عليهم تطوير هذه الوسائل- غير اللغة المنطوقة- فكذلك يمكن أن تكون الحاجة سابقاً أملت عليهم تطوير اللغة المنطوقة.
ثم ألسنا نضع أسماء أبنائنا وأسماء شوارعنا ومدننا، كذلك وضع الأولون أسماء الأشياء والروابط التي بينها. [١]
وقد ناقش البعض في هذه النظرية متسائلًا: كيف تفاهم الناس في البدء وقبل التوافق على وضع كلمة محدّدة لمعنى محدّد؟ والجواب:
أولًا: إنّ هناك وسائل أخرى للتفاهم غير اللغة كالإشارة يمكن أن تصبح وسيلة للتفاهم من قبل وضع اللغات، والدليل على ذلك إننا نجد هذه الوسيلة هي المتَّبعة عند فقدان التوافق على لغة معيّنة وعند تعليم اللغة للأطفال.
ثانياً: يمكن أن تكون الأصول الاولية للّغات إلهامية عبر الرسل أو مباشرة ثم تطوّرت اللغات إنطلاقاً من تلك الأصول.
[١] - لقد تطوّرت الدراسات التاريخية التي تناولت نشوء وإرتقاء اللغات والتي تثبت مدى جهد البشرية في صناعة اللغة وتطويرها. يقول في هذا المجال الدكتور أحمد محمد قدور:" ويختصّ المنهج التاريخي بدراسة التطوّر اللغوي عبر الزمن من خلال الوقوف على التطوّر الإجتماعي والثقافي والعلمي وكل المعطيات المؤثرة في اللغة، فالبحوث التي ترصد توزّع اللغة وانتشارها وتحوّلها إلى لهجات، أو التي تقف على تحوّل اللغة الرسمية (أو الفُصحى) إلى لغة عالمية نتيجة الحروب والتوسّع السياسي، او التي تبيِّن كيفية تحوّل اللهجة إلى لغة عامة مشتركة، تنضوي جميعها تحت ما دُعي بعلم اللغة التاريخي." (مبادئ اللسانيات، ص ٢٢) ويقول:" ومن المعروف أنّ اللغويين في القرن التاسع عشر توصّلوا إلى تقسيم اللغات إلى مجموعات أو اسَر معينة يضم كلٌ منها فروعاً متعددة، وأهم هذه المجموعات الكبرى هو الهندية الأوربية والمجموعة السامية الحامية." (المصدر، ص ٢١).