فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - ثالثا نظرية المحاكاة
ثالثا: نظريّة المحاكاة
إذا كانت اللغات نازلة من السماء كما رسالات الله، أو قد وضعها البشر السابقون عبر عظمائهم، أو بالتراكم المستمر لتجارب الناس كلٌّ بقدر، فما هي هذه العلاقة التي نجد بين الكلمات ومعانيها مما يوحي بأنَّ وضع الكلمات لمعانيها ذات مناسبة طبيعية؟
أليس الأطفال حينما يريدون التعبير عن خواطرهم يعبِّرون عنها بكلمات قريبة جداً من أصوات الطبيعة أو من الإشارات العفويّة إليها؟ مثلًا: يقال للطفل عند إشعاره بالخطر «أوّاه" إشارة إلى ماينطق به الإنسان عند الألم من «آه»، وحين يُشار إليه بالطعام يُقال له «أمّ» وواضح أنّ حرف الألف (أ) يُنطق بفتح الفم وحرف «الميم» (م) يُنطق بسدِّه مما يُشير الى الأكل حيث أنه يُفتح له الفم أولًا ثم يُسدّ.
فلماذا لانعتبر بداية اللغة مثل بداية نطق الطفل نوعاً من الإستلهام من مظاهر الطبيعة وإشاراتها؟ علماً بأنَّ كثيراً من الأصوات كانت ولاتزال تقليداً للطبيعة مثل أسماء أصوات الحيوانات بل أسماء الأصوات عموماً.
فلماذا لانتصوّر الإنسان الأولي، ودماغه فارغ، وحسّه رهيف، إلتقط المناسبات اللطيفة بين الأشياء والألفاظ فعبَّر بها عنها ثم تطوَّرت اللغات بأساليب أخرى، وكذلك يفعل عادة الأدباء البارعون وهم يستخدمون أقرب الكلمات إلى المناسبة الطبيعية، كما يفعل الموسيقيون في إنتخاب النبرات، أو ليس لكل حرف نبرة ووقع في أعصاب الإنسان؟ فليكن الإنسان الأولي جمع حروفاً قريبة من مناسبات طبيعية للتعبير عن الحقائق.
ومن هنا ذهب البعض إلى هذه النظرية التي سُمّيَت عندهم ب-" محاكاة الأصوات معانيها" وأصحاب هذه النظرية التي لاتختلف كثيراً عن سابقتها، بل هي تطوير لها، يزعمون أنّ جرس الكلمة يدل على معناها، ولقد أعجب إبن الجنّي بهذه النظرية التي يسميها فقهاء اللغة اليوم ب- (Ding dong) وعقد في كتابه بابين سمّى أحدهما «بتعاقب الألفاظ لتعاقب المعاني» وأطلق على الثاني «أساس الألفاظ أشباه المعاني».
ونُقل عن الخليل قوله: «كأنّهم توهّموا في صوت الجندب إستطالة ومداً فقالوا: (صرّ) وتوهّموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا: صرصر».
ونُقل عن سيبويه وهو يتحدث عن المصادر التي جاءت على الفعلان «أنها تأتي