فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - باء أصل المشتق
باء: أصل المشتق
ويبقى السؤال: ماهو أصل المشتقات؟
ذهب الكثير من الإصوليين إلى أنّه إسم المصدر، وهو الصحيح عند التأمّل، ذلك لأنَّ اللغة المتكاملة تضع لكل شيء لفظاً يعبِّر عنه، فماذا أعدّت اللغة العربية للتعبير عن الحوادث؟ مثلًا: الله سبحانه خلق السموات والأرض، كيف نعبِّر عمّا حدث بعد هذا الفعل الإلهي؟ أليس" الخلق"؟ وينصر الله عباده الصالحين، ألا نسمّي عين هذا الفعل" بالنصر"؟ ودمّر الله قرى لوطٍ الظالمة، ألسنا نسمّي فعله سبحانه" تدميراً"؟
إنّ كل حقيقة تقع نسمّيها بإسم بعيداً عن نسبتها إلى فاعلها أو مفعولها، فإسم المصدر هو التعبير عن الأفعال التي تقع والحوادث التي تطرأ كما الأسماء التي نضعها على الأشياء مثل: الجبل والأرض، وأسماء الأحياء والمخلوقات. كذلك إسم المصدر ذات صورة ومادة، صورته شبيهة عادة بالمصدر، ومادته تلك الحروف التي يتركب الإسم منها- مثلًا (خ. ل. ق) أو (ن. ص. ر)- ولكن صورة إسم المصدر شبيهة تماماً بصورة أي أسم آخر مثل" ج. ب. ل" لا يُراد منها أن تكون هيئة ذات نسبة كما المصدر، فالمصدر إسم وفيه ذات الحروف عادة إلّا أن الهدف منه بيان نسبة حدثٍ بشيء، (مثلًا نسبة الخلق إلى الله سبحانه فاعلًا، والسماوات مفعولًا، وستة أيام ظرفاً للزمان، وما أشبه).
ولذلك لم يقل الأصوليّون إنّ المصدر هو أصل المشتقات، لأنّ سائر المشتقات (مثل فعل الماضي والمضارع وصفة الفاعل وما إليها) ذات هيئات فيها نسبة، والمصدر أيضا فيه نسبة، فهي قسيمة لها وشبيهة بها، وليست أصلًا لها، ومقسماً لها.
وعند التأمل في اللغة وتحليل إسم المصدر في وجداننا نجده علامة لذلك الحدث الذي ننسبه عادةً إلى الأشياء عند الإشتقاق.
وقد ذهب بعض أعلام الأصوليين متأخراً بأنّ أصل المشتقات ليس المصدر ولا إسم المصدر، أمّا المصدر فلأنَّ فيه نسبة وأما إسم المصدر فلأنّه قد تشكل في صيغة معيّنة، ولابد لأصل المشتقات ألّا يكون متشكلًا في صيغة بل لابد أن يكون كالنقرة المذابة بلا قالب فتتشكل في القوالب، فمثلًا في مثل" خلق" ليس أصل المشتقات منها سوى الحروف التي تشكلت منها هذه الكلمة وهي (خ. ل. ق) وهكذا ينبغي أن يكون مبدأ الإشتقاق عند