فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - ٤ - نظرية الوجود التنزيلي والإعتباري
وأضاف: «إنّ العلامة على قسمين، تارة هي ذاتية مثل قوله سبحانه: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [١] وأخرى جعليّة مثل أنَّ الفجر جُعِلَ علامة شرعية للصلاة [٢]».
واستشهد أيضا بما قاله اللغويون بأنَّ الألفاظ علامة للمعاني [٣].
٤- نظريّة الوجود التنزيلي والإعتباري
وهذا الرأي يرتبط بقاعدة التنزيل. دعنا- إذاً- نشرح باختصار معنى التنزيل الذي يختلف- بدوره- بين تنزيل شرعي أو تنزيل قانوني أو تنزيل عرفي. وإليك أمثلة في ذلك:
أ- التيمم يقوم مقام الوضوء والغُسل، ويُنزَّل منزلتهما عند فقدان شرائطهما. والطواف بالكعبة يُعتبر مثل الصلاة. والرضاعة تُعتبر لُحمة كلُحمة النسب. (كل هذه الأمثلة من نوع التنزيل الشرعي).
ب- شهر السلاح في وجه أحد بمنزلة قتله في قانون بعض الدول. (وهذا تنزيل قانوني).
ج- التلفظ بأسماء ما يُقبح، يُعتبر- عند الناس- قبيحاً. (وهذا تنزيل عرفي).
وعند التأمّل تجد أنّ التنزيل هو- في الحقيقة- إعتبار، حيث يعتبر الشرع أو القانون أو العرف (الأمر) الثاني بمنزلة (الأمر) الأول (التيمم بمنزلة الوضوء). وهكذا إعتبر هذا الرأي وضع اللغة من باب التنزيل، حيث إعتبر كل لفظ هو عنوان المعنى، فكما أنَّ لون الشيء علامة تدل عليه، كذلك إسمه لأن الاسم هو وجود إعتباري له حيث أصبح عند العرف بمنزلته. وذهب إلى هذا الرأي الفلاسفة، حيث أنهم يرون (الوجود) مظهراً للماهيّة، فإذا اعتبر اللفظ مثل (الشمس) وجوداً للمعنى حصلت للفظ تلك المظهرية [٤].
والواقع إنَّ التعبير ب- (الوجود) في كلام الفلاسفة تعبير فضفاض يمكن لكلّ أحد أنْ يفسِّره بطريقته. ويبدو أنَّ معناه عندهم شيء قائم مستقل يمكن أن يشار إليه، سواء كان في الطبيعة مثل وجود الشمس، أو في الذهن مثل تصوّر الشمس، أو في الرسم والنحت والكتابة والكلام، مادام له نوعُ ظهورٍ يمكن أن يُشار إليه. وهكذا لا نزاع لنا في مثل هذا
[١] - النحل، ١٦.
[٢] - المصدر، ص ٧٧.
[٣] - المصدر، عن: لسان العرب والقاموس.
[٤] - المصدر، ص ٧٤.