فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٨ - واو التغير الدلالي
فإنَّ التأمل في السياق المقامي والمقالي يرفع الإبهام عنه، إنّما السؤال عن مدى تحقق المشترك اللفظي حيث نجد أنَّ الكلمة الواحدة تُستعمل مرة في معنى وآخر في معنى آخر دون أن يتلاقى المعنيان، فما هو السبب في تعدّد الوضع؟ مثلا كلمة الغروب تعني غروب الشمس، وقد تعني مجموعة من الدّلاء العظيمة ومفردها غَرْب (بفتح الأول وسكون الثاني) كما تدل ذات الكلمة على الماء الذي يجري بين الأسنان.
وقد يكون المشترك اللفظي بسبب إقتباس كلمة من لغة أخرى فتكون مشابهة لكلمة عربية مثل كلمة (الحُب) التي تعني الودّ في العربية التي تتشابه لفظاً مع (الحب) [١] بمعنى الجَرّة الكبيرة وهي فارسية الأصل كما جاء في بعض كتب اللغة.
٥- التضاد
ومن الإشتراك اللفظي بل والمعنوي التضاد، حيث نجد أنَّ الكلمة تعني أمرين متضادين، إمّا لأنَّ الكلمة كانت تُستخدم عند بعض العرب بمعنى وعند البعض الآخر بما يضادّه، فلمّا تواصلت اللَّهجات أصبحت الكلمة من التضاد مثل السُدفة التي كانت تعني عند بني تميم الظُّلمة بينما تعني عند قيس النور. وربما كانت العوامل النفسية سبب التضاد مثل كلمة سليم التي تدل على السالم وعلى من لدغته الحية حيث يُسمّى به تفاؤلا بالسلامة، ومن هذا الباب سمّوا الأعمى بصيراً، والأسود كافوراً، وسمّوا الصحراء الموحشة بالمفازة.
واو: التغيّر الدلالي
بالرغم من أنّ معظم اللغويين العرب السابقين إعتبروا أيّ تغيّر في دلالة الكلمات أو قواعد اللغة خطأ فادحاً إلّا أنّ ذلك لم يمنع التغيّر في معاني المفردات باعتبار أنّ اللغة ظاهرة إنسانية والإنسان يخضع لعاملي الزمان والمكان وللتغيّرات الإجتماعية والثقافية.
وهكذا ينبغي أنْ نفقه هذا التغيّر، خصوصاً وإنّ علينا- نحن المسلمين- أنْ نفقه معاني كلمات الوحي وهي قد لاتفيد اليوم ذات المعاني التي كانت لها عند نزول الوحي، حيث إنَّ خطاب الوحي ومفسّريه (النبي وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام) كان قد ألقي على العرف يومئذ وبلسان أولئك القوم، وهكذا كان علينا أنْ نلاحق التغيّرات
[١] - يُلاحَظ أن هذه الكلمة جاءت في بعض المعاجم أنها عربية، وفي بعضها أنّها فارسية، ونحن إنما نضرب مثلا على الإفتراض الثاني.