فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - ألف الكلمة بين الهيئة والمادة
روابط الحقائق بعضها ببعض، مثل إرتباط القلم بالكتابة في قولك: كتبتُ بالقلم، أليس قد جعلتَ القلم آلةً للكتابة؟ ومثل إرتباط الكتابة بك في ذات الجملة فإنّ التعبير ب-" كَتَبْتُ" يدل على علاقة الكتابة بك بصفتك فاعلًا لها، حيث نستفيد ذلك من صيغة" فَعَلْتُ" التي تضمَّنت معنىً حرفياً [١] مفاده علاقة الفعل بالفاعل في زمنٍ مضى.
وهكذا سائر الأفعال مثل: يَكتبُ، أكتب، بل والصفات مثل: كاتب، مكتوب، كتاب وماأشبه. إذ أنّك بالتأمل تستطيع أن تعرف أن كل هذه الكلمات تدلى على أمرين:
الأول: ذات الحقيقة- وهي الكتابة-.
الثاني: إرتباط هذه الحقيقة بشخص وبزمان- مثلًا بشخص المتحدِّث (المتكلم) في قوله (كتبتُ) في وقتٍ مضى، وبالمخاطَب في قولنا (أنتَ تكتب) وبالفاعل المبهم في قولنا (كاتب) وبالمفعول المبهم في قولنا (مكتوب).
وعملية إضافة معنى حرفي إلى ذات الحدث (أو الحقيقة التي نتحدّث عنها) تُسمّى بالتصريف أو الإشتقاق حيث نقتطع من أصل إسم الحدث بعض أفراده عبر إضافة معنى جديد إليه. [٢]
وهذا يدلنا على إنّ أصل الكلمات هو الإسم (أي إسم ذلك الحدث) مثل الكتابة حيث يُضاف إليه في كل إشتقاق وتصريف معنى جديد. وهذا ما ذهبت إليه مدرسة البصرة في النحو حيث يقول بعض المؤيّدين لها في توضيح هذه المسألة مايلي:
«ألا ترى أنَّ الفضّة أصل لجميع مايصاغ منها، فهي موجودة المعنى فيه، فإن صغت كوزاً، أو إبريقاً، أو خاتماً، أو قُلباً، أوخلخالًا وغير ذلك، فمعناها موجود في جميع مايصاغ منها، وليس معاني مايصاغ منها موجوداً فيها مفردة، فكذلك معنى المصدر موجود في جميع الأفعال المشتقة منه، وليس معنى فعلٍ واحدٍ منها موجوداً في المصدر نفسه، ألا ترى أنه ليس في (الضرب) معنى فعل ماض ولا مستقبل موجوداً». [٣]
وهذا المثل يوضِّح طبيعة الإشتقاق، بالرغم من أنّ تفرّع الكلمات بعضها عن بعض ليس شبيهاً تماماً بصياغة الموادّ التي تُذاب ثم تُصبّ في القوالب، وإنما ذلك مجردّ توضيح.
[١] - أي معنى العلاقة والإرتباط.
[٢] - وهذا معنى الإشتقاق، أي أخذ شق من شيء كما سيأتي.
[٣] - الزجاجي في الإيضاح، ص ٧٩، نقلأً عنه: البحث النحوي عند الأصوليين، ص ٩١.