فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - ٧ - نظرية التعدد في معاني الحروف
وناقش البعض في نظرية التحصيص بما يلي:
«أنّه لو كان التضييق والتحصيص هو المعنى الأولي للحرف وليس المعنى الثانوي التابع لمعنى النسبة لكان ذلك مدلول جميع الحروف، مع أننا نجد أنّ حروف العطف والإستثناء والإضراب والتفسير لا تدل على تحصيص في المفاهيم الإسمية أصلا، فلو قلنا: (الحرارة والبرودة لا تجتمعان) فإنّ (الواو) لا تدل على أنّ الحصة الخاصة من الحرارة المقرونة بالبرودة هي التي لا تجتمع مع البرودة، فذلك لا معنى له [١]».
إلا أنّ الوجدان يدل على وجود تحصيص وتضييق في مجمل الحروف، ولكن ذلك الوجدان- بذاته- يدلنا أيضاً على أنّ هذه الخاصية هي نتيجة النسبة، وأما دلالة الحروف فهي التعبير عن النسبة، وهذا قد لا يكون في بعض الحروف لسبب أو آخر، وفي مباحث الألفاظ لا يضر ذلك بعد وضوح المعنى لأنَّ اللغة ظاهرة إجتماعية وليست بنياناً هندسيّاً رصيناً، فقد يكون فيها بعض الاستثناءات غير الداخلة في القاعدة. والله العالم.
٧- نظرية التعدد في معاني الحروف
وذهب المحقِّق الوحيد الخراساني (أدام الله ظله) إلى نظرية تجمع بين بعض النظريات، فقال:
«إنّ الحروف تنقسم إلى أقسام:
(فمنها) الحروف التي تُستعمل في موارد الأعراض النسبية، كقولنا: زيد في الدار وعمرو على السطح».
ثم بَيَّن أنّ هذه الحروف مدلول الجملة الاسمية وهي تدل على معنى واقعي وهو ظرفيّة الدار لزيد وفوقيّة عمرو على السطح [٢].
واعتبر هذا القسم من الحروف إيجادية حيث أنّها «موجِدة للربط بين المفاهيم بما لها من الحكاية عن الواقع» ولا يعني ذلك أنَّ الحروف تخلق المعنى بل هي فقط تعكس المعنى الموجود خارجا، إذ النسبة بين زيد والدار وعمرو والسطح وغيرها هي موجودة فعلا، وليست النسبة أمراً إعتبارياً لا وجود لها [٣].
«و (منها) الحروف غير الحاكية عن نسبة» فلا هي تعكس النسبة ولا توجدها، وهذه
[١] - مباحث الدليل اللفظي ١/ ٢٧٣، عنه: البحث النحوي عند الأصوليين، ص ٢٣٤- ٢٣٥.
[٢] - أنظر: تحقيق الأصول، ج ١، ص ١٣٥.
[٣] - أنظر: المصدر، ص ١٣٥- ١٣٦.