فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - حوار حول إجابة المحقق الخوئي(قده)
«وعلى ذلك فملاك الفرق بينهما (الذاتي والغريب من العوارض) هو: أنّ ما له دخل في الغرض، فليس بِعَرَضٍ غريب، وما لادخل له فيه، غريب». [١]
وهكذا عاد إلى ذات الفكرة الأولى: إنَّ تمايز العلوم ليس بموضوعاتها وإنما بأهدافها.
والواقع إنّ المحقق الخوئي (قده) يرى أنّ الأساس في تمايز العلوم هو أغراضها ولكن قد يكون الهدف من علمٍ صِرف البحث عن موضوعٍ معيّن مثل البحث عن الإنسان كإنسان، فهناك الموضوع يصبح محوراً [٢] وهذا كلام متين ولكنه لايطّرد عادةً في العلوم، والله العالم [٣].
[١] - المصدر.
[٢] - راجع المصدر، ص ٣٠- ٣١.
[٣] - إختلفت كلماتهم في العوارض الذاتية والغريبة .. وإليك بعض التفصيل في ذلك:
المحقق النائيني (قده) قسَّم العوارض إلى ما لاواسطة له أصلًا (مثل العلم بالنسبة إلى العقل) وما فيه واسطة واحدة، (مثل التعجّب الذي يعرض على الإنسان لأنه عاقل) وما فيه أكثر من واسطة (مثل الضحك، حيث يعرض على الإنسان لأنّه يتعجّب، والتعجّب يعرض على الإنسان لأنّه يعقل)، واعتبر العارض بواسطتين- مثل الضحك- واسطة في العروض، واحتمل أن يكون هو الآخر من العوارض الذاتية حيث قال:
" إذا عرفتَ ذلك فيمكن أن يُقال إنّ هذا العارض مع الواسطة في العروض أيضاً من الأعراض الذاتية، لانتهائه إلى الذات بالآخرة." (اجود التقريرات، ج ١، ص ٨).
أما العارضة بواسطة واحدة وهي الواسطة في الثبوت فإنّه عنده من الأعراض الذاتية.
أمّا المحقق الخوئي (قده) فاعتبر المعيار في الواسطة في الثبوت الذي لاعلة له، والواسطة في العروض التي لها علة، فقال في تعليقه على كلام استاذه:
" الميزان في الواسطة في الثبوت هو أن يكون الواسطة علةً لثبوت العارض لمعروضه سواءً كانت الوسائط متعددة أم غير متعددة." (أجود التقريرات، ص ٨ (في التعليق).
وقد نُقل مثل هذا القول عن كتاب الأسفار منسوباً إلى الشيخ (الرئيس) ومفاده حسب توضيح بعضهم أن الخصوصيات (والعوارض) إذا تحققت بجعل واحد فإنها جميعا واسطة في الثبوت مثل الجوهرية بالنسبة إلى الممكن أو الجسمية أو ماأشبه، أما إذا لحقت بها في مرتبة اخرى مثل الضاحكيّة بالنسبة إلى الإنسان فما تعتبر من عوارض ذات الواسطة. (راجع: أجود التقريرات، ج ١، ص ٤- ٨، نقلًا عن: نهاية الدراية ج ١، ص ٢- ٣).
أقول كل هذه مصطلحات، ولا مشاحّة فيها خصوصاً وكثير منها متسربة من الفلسفة التي لايمكن إقتباس كل مناهجها للعلوم الاخرى.
والميزان فيما يبدو لي- في الأعراض الذاتية او الغريبة ذات الواسطة في الثبوت أو العروض إنّما هو مدى وفاء تلك الأعراض وبحوثها للهدف الأساسي للعلم، فإن كانت مفيدة بُحثت ولو كانت غريبة، وإلّا لم تُبحث ولو كانت ذاتية، فليس كل أبعاد الموضوع وحالاته وعوارضه تُبحث في كل علم، وهذا مابيّنه المحقق النائيني (قده) والتزم به صاحب الكفاية، ولم نجد عند من خالف هذا الرأي فيمن تأخر أدلة قوية معارضة، والله العالم.