فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - اولا التبادر
وجداننا الذي تشبَّع بمعاني الألفاظ، ثم نسأل: هل هذا المصداق أو ذاك يدخل في معنى هذه الكلمة؟ إنه عملية إستكشاف الذات وتفعيل معارفنا باللغة.
وهذا هو منهج التبادر وصحة السلب والإطّراد والذي تحدث عنه طويلًا علماء الأصول باعتبار أنّ المشكلة الفقهية التي كانوا بصدد حلّها تمثَّلت في حدود معاني الكلمات وليس في أصلها.
وسوف نتحدث بإذن الله تعالى عن تلك المشكلة، إلّا أنَّ هذا المنهج إنما ينفع العارف باللغة إجمالًا والذي يشك في حدود دلالة الألفاظ على المعاني، أو الذي يراجع أهل اللغة ويحاول بالتأمّل في إستعمالاتهم للألفاظ واستفادتهم من معانيها أن يتعرَّف على طبيعة دلالتها على تلك المعاني.
٤- وهناك رأي ذهبنا إليه وهو: أنّ دلالة الألفاظ على معانيها دلالة فطرية، وإن اختلاف الألسنة آية ربانيّة، بالرغم من وحدة أصولها، كما إختلاف البشر في تفاصيل حياتهم بالرغم من وحدة جنسهم. وبناءً على هذا الرأي- الذي لاينكر دور الوضع كليّاً بل يجعله دوراً ثانوياً- فإنّ كل لفظة تدلّ على معنى أصيل يختلف عن سائر المعاني المتشابهة له والتي تبدو مترادفة معه، وذلك المعنى يصدق على مفردات كثيرة تشترك فيما بينها في وجود ذلك المعنى. فإذا كانت الكلمة المكوّنة من الحروف التالية (ج، ن، ن) تدل على الشيء المستور، فإنّ هذا المعنى موجود في الجنّ والجَنين والجَنّة والمجنون بالرغم من ظاهر الإختلاف في مصاديقها. فإنما سُمّي الجنّ بهذا اللفظ لأنه مستور، وكذلك الجنين والجنّة، أما المجنون فلأنه قد سُتِر عنه عقله سمّي كذلك. وقد نسمّي هذا المعنى الواحد المشترك بين المصاديق المختلفة ب- (لحاظ) وهكذا عند الشك في مدى صدق اللفظ على معنى معين نرجع الى التبادر وذلك بالتفكّر ملياً في الكلمات المصاغة من ذات الحروف لاكتشاف ذلك اللحاظ أو المعنى الواحد المشترك، وعندئذ يتوضَّح لنا مدى صدق الكلمة على بعض المصاديق المتشابهة، وهذا منهج آخر نرتضيه في اكتشاف المعاني.
حوار في علامات الحقيقة
اولًا: التبادر
١- أوّل سؤال يطرحه الأصوليّون مكرّراً في هذا الحقل، وفيما يتصل بالتبادر كعلامة