من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - بيوت أذن الله أن ترفع
وسور معنوي يعلو بالقيم السامية، والبيت الذي أذن الله له أن يرفع إنما هو الذي يحصنه ذكر الله وتسبيحه، والذي يشتغل أبناؤه بمعايشهم ولكن دون أن تشغلهم عن ذكر ربهم، وهكذا تحافظ الأسرة على مهمة الإنسان، الذي خلقه الله مصباحا للحياة، يتفجر من جوانبه النور- إرادة وعقلا وعواطف- فلو ترك هذا النور تلفحه رياح الشهوة لانطفأ أو لا أقل لقلت إضاءته، ولكنك تجد من الناس من لا نور لهم أساسا، وهم يجعلون أنفسهم في قبور من ظلمات الكفر والجحود، كالليل المظلم تلفه أمواج الشهوة، وتكتنفه سحب الغفلة، فلا يجد السبيل إلى فهم الحقيقة أبدا.
بينات من الآيات
الله نور السماوات والأرض
[٣٤] وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ إن الآيات المبينات هي التي توضح الطريق للناس، وتجعلهم قريبين من الحقائق، وأسلوب القرآن في تفهيم الحقيقة هو أسلوب التذكرة، وإثارة العقل، بتوجيهه لها، فالحقائق موجودة والإنسان يمتلك ما يكشفها، و لكنه بحاجة إلى من يدله عليها، ويذكره بها، وذلك عن طريق الآيات التي تشير إليها، كالعبر التاريخية وَمَثَلًا مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ لتتعظوا بتجارب الآخرين، وتزدادوا معرفة ورشدا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين يخافون عقاب الله، أما من لا يخاف عقابه، فإنه لا يستفيد من القرآن، فهو كالأعمى لا يستفيد من نور الشمس، وهكذا القرآن علم وحكمة وموعظة، ففيه آيات تبين سنن الله، مما يزيد البشر علما، ثم يضرب الأمثال من الأمم الغابرة، مما يزيد البشر حكمة، ثم يوصل ذلك العلم وتلك الحكمة بحياة القارئ مباشرة فيكون موعظة لمن يتعظ.
[٣٥] اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ يفيض من نوره بمشيئته المطلقة على السماوات والأرض خلقا بعد خلق، ولحظة بلحظة، وكما يفعل ذلك في عالم التكوين (الطبيعة) فإنه يفعل ذلك في عالم التشريع (الأحكام) إذ يفيض علينا برسله ورسالاته، فيعطي الإنسان النور (العقل) لحظة بلحظة، ليفهم الرسالة به.
إن نور الله يتجلى في الطبيعة كما يتجلى في التشريع. وربما تبين هذه الآية المثال الثاني، فلقد جاء في بعض التفاسير أن المقصود من المشكاة هو قلب الرسول صلى الله عليه واله أما المصباح فإنه رسالات الله التي أنزلها على ذلك القلب الطاهر.
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ يمكننا تأويل الزجاجة بالعقل الذي يستقبل نور الرسالة، أوليس هو الرسول الباطن، أوليس هو الحجة الباطنة، وعنده تصديق ما أنزل الله؟! كما يمكن تأويله بالرجال الصالحين ممن يحفظون رسالات الله، وهذا هو المأثور.