من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠ - بيوت أذن الله أن ترفع
ولولا فيض رحمته لم يبق شيء من الوجود، فهو ليس قائما بذاته وإنما بما يمده به الله من نور البقاء.
وكمثل على ذلك- وتعالى الله عن الأمثال- لو توقف المصباح عن إشعاع النور لحل الظلام على الفور، ولا يعني ذلك أن خلق الله للأشياء هو كما يفيض النور من المصباح، كلا .. وإنما بالإرادة التي لا تحتاج إلى زمان، أو شيء من المعاناة، إنما هي لحظة الإرادة المخلوقة ونفحة الرحمة المعطاة.
وما الإسلام إلا حكمة قائمة على أساس هذه الفكرة وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ [الزمر: ٦٩] ولعلنا نسميها ببصائر النور، ولا مجال للحديث عن أبعادها الإسلامية العميقة، وإنما بينا ذلك، لكي نعرف الجانب الآخر وهو: إن النور في القلب والمجتمع هو نفس النور في حياة الإنسان التشريعية- وهو نفس النور في الحياة التكوينية، فلو أمسك الله تعالى فيض نوره عن السماوات والأرض لانعدمتا في أقل من لحظة، كذلك لو أمسك فيض نور رسالته عن البشر في حياتهم التشريعية والاجتماعية لساد الظلم والظلام.
لذا فإن نور الله في التشريع كمصباح في مشكاة (والمشكاة حفرة شق في الجدار يضعون المصباح فيها بعد أن يحيطوه بزجاجة تزيد من إضاءته) ووظيفة المشكاة هي العمل على تركيز النور، وأفضل الزيوت التي كانت تستخدم للإضاءة في ذلك الوقت هو زيت الزيتون الذي يزرع فوق الجبال، فلا يظلها يسار الجبل عن الشمس حين الشروق، ولا يمينه حين الغروب، فهي لا شرقية ولا غربية، وكلما كان الزيت أصفى كان ضوءه أبهى .. و كم تكون الإضاءة نيرة حينما يكون وقودها زيت الزيتون، ويكون المصباح في مشكاة عبر زجاجة؟!.
كذلك نور الله الذي يهبط وحيا فيستقر في قلب الرسول صلى الله عليه واله الزكي، الطاهر كما المصباح يشع نورا من زيت نقي، ورسول الله يحيط هذا المصباح بزجاجة السنة الشريفة، ليضع الجميع في إطار أهل بيته الطاهرين عليهم السلام الذين هم أشبه شيء بمشكاة نظيفة تحفظ النور وتنميه نورا على نور.
إن بيوتهم التي أَذِنَ اللهُ أن تُرفع، كانت مشكاة للرسالة لأنها ضمّت ذكر الله، المنبعث من قلوب أولياء الله، المتقد بوقود مبارك هو الصلاة والزكاة وخشية المنقلب، وهذا البيت هو المثل الأعلى للأسرة المباركة حيث يجري السياق في سورة النور لبيان صفاتها المثلى.
وهكذا نستوحي من هذه الآية ضرورة جعل نور الإيمان في مشكاة الأسرة، وذلك من أجل تربية النفس البشرية وتنمية العوامل الخيرة فيها لتتضاعف خيراتها وبركاتها، كالزيتونة اللاشرقية واللاغربية، تمتص من أشعة شمس الرسالة أزكاها، وأنماها، وهكذا نتذكر بالآيات أن هناك سورين للأسرة الفاضلة: سور مادي و هو البيت الذي يحرم على الأجنبي اقتحامه،