من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
الْمَسَائِلَ الْأُخَرَ قَالَ عليه السلام
اكْتُبْ يَا أَخِي؛ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ الله فِي كِتَابِهِ
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ
فَهُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا وَلَمْ يَعْجِزْ سُلَيْمَانُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا عَرَفَهُ آصَفُ لَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُعَرِّفَ أُمَّتَهُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَنَّهُ الْحُجَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَذَلِكَ مِنْ عِلْمِ سُلَيْمَانَ أَوْدَعَهُ آصَفَ بِأَمْرِ الله فَفَهَّمَهُ اللهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُخْتَلَفَ فِي إِمَامَتِهِ وَدَلَالَتِهِ كَمَا فُهِّمَ سُلَيْمَانُ عليه السلام فِي حَيَاةِ دَاوُدَ عليه السلام لِيَتَعَرَّفَ إِمَامَتَهُ وَنُبُوَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ لِتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ» [١].
بلى؛ إن سليمان عليه السلام اختار آصف بن برخيا للقيام بذلك الدور من أجل أن يبين للناس أنه الوصي من بعده، وحين نقرأ تاريخ الأنبياء عليه السلام نجد أنهم يختارون مواقف معينة يظهرون فيها أوصياءهم، حتى يكون واضحا عند الناس من هو الخليفة من بعدهم، وهكذا لا يرحلون إلا بعد أن يجعلوا لمستقبل الرسالة ضمانا.
ونستوحي من سورة النمل بأن الملك يقوم على ثلاثة أركان هي
١- العلم؛ وأعلى مراتبه أن يستفيد الإنسان من خبرات الآخرين وعقولهم وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ.
٢- الحزم فَإِذَا عَزَمْتَ.
٣- التوكل فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
ولقد اجتمع لسليمان عليه السلام الملك والقوة والطاعة من رعيته، وكان في جنده من يستطيع أن يحمل عرشا كعرش بلقيس، ويأتي به من بلد بعيد كاليمن- خلال طرفة عين- ولكن ذلك كله لم يكن أساسا حقيقيا لملكه، بل إن القوة الحقيقية التي استند عليها هي الإمداد الغيبي من الله، قال تعالى وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]، والملاحظ أن القرآن قدم نصر الله على عون المؤمنين لأن الأول هو الأهم.
ونحن حين نبدأ بأي عمل ترانا نستعين ببسم الله الرحمن الرحيم، وسليمان بدوره استعان بقدرة الله وقوته- حين أرسل كتابه إلى بلقيس- إذ قال إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليبين لها أن سلطانه ليس ماديا، وهكذا نجد نوحا يخاطب أصحابه قائلا وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود: ٤١] لأن كل شيء لا يتم إلا باسم الله، ولولا اسم الله لم يستطع آصف بن برخيا إحضار عرش بلقيس في لحظة من اليمن إلى أرض فلسطين.
[١] بحارالأنوار: ج ١٤، ص ١٢٧.