من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٨ - وجئتك من سبأ بنبأ يقين
بعد ذلك قرر سليمان عليه السلام أن يتبين الأمر، فإن صدق أكرمه وإلا أحل به العذاب، لذلك دفع إليه رسالة وأمره أن يلقيها إلى ملكة سبأ، وفي القصة عبر ودروس سنتعرض لها في البينات.
بينات من الآيات
[١٨] حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ولم تقل النملة أن سليمان وجنوده لا يملكون الإحساس أساسا، وإنما قالت بأن اهتمامهم بأشياء أخرى قد يجعلهم لا يدركون بأن تحت أرجلهم شيئا وهذه إشارة للإنسان المقتدر بأن لا ينسى النملة بل يهتم بها، لأنها ذات روح وشعور. والحاكم العادل يأخذ حساباته حتى بالنسبة لهذه النملة، ولنستمع إلى كلمة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو يومذاك حاكم على إمبراطورية عظمى
«وَالله لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ وإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِيٍّ ولِنَعِيمٍ يَفْنَى ولَذَّةٍ لَا تَبْقَى» [١].
أما الطغاة فإنهم يتجاهلون شعوبا بأكملها، فقوة عظمى هنا تقرر أن تضغط على قوة عظمى هناك ولكن عبر إنزال العقاب بدولة صغيرة تابعة لها. مادامت الأخرى تضغط عليها في دولة خاضعة لنفوذها، وفي كلا البلدين الصغيرين شعب مستضعف يُهضم، إلا إن المهم عند القوى الكبرى أن تتحقق مصالحهم ولو دُفِع بملايين المستضعفين إلى الجحيم.
كما تزرع القوى الكبرى أسلحتها المرعبة بين ملايين البشر، و تسلبهم الراحة والاطمئنان، فالمهم عندهم أن يكونوا أقوياء، وهذا هو الفرق بين مملكة الإيمان وإرهاب الطغاة.
[١٩] فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا قيل: إن سليمان عليه السلام لما سمع كلام النملة، أمر الجيش بالتوقف في الصحراء حتى دخل النمل أجمعهم إلى بيوتهم، فأمرهم بعد ذلك بمواصلة المسير، وفي الوقت ذاته تعجب سليمان من كلام النملة، وعرف أنه و صل ذروة رفيعة من القوة والسلطة، وأنه استجيبت دعوته التي قال فيها قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥]، لذلك توجه بالشكر إلى الله لكي لا تبطره النعمة فيطغى.
وهناك حديث شريف ينقل حوارا بين سليمان والنملة: في عيون الأخبار بإسناده إلى
[١] بحار الأنوار: ج ٧٢ ص ٣٥٩.