من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - وأنذر عشيرتك الأقربين
الله صلى الله عليه واله ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ صلى الله عليه واله
يَا صَبَاحَاهْ
، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟. قَالَ: أ
رَأَيْتُكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصْبِحُكُمْ أَوْ مُمْسِيكُمْ مَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟.
قَالُوا: بَلَى. قَالَ صلى الله عليه واله
فَإِنِّي
نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّاً لَكَ أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا؟!. فَنَزَلَتْ سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) [١].
ونستوحي من هذه الآية أن عامل الرسالة الإلهية لا يعتمد على أية قوة أرضية في إبلاغ رسالات ربه، إنما يتوكل على الله، لذلك يستطيع أن يتحدى انحرافات الناس جميعا، حتى ولو كانوا عشيرته الأقربين.
كما تشير الآية إلى أن مجرد القرابة من رسول الله لا يخلص الإنسان من نار جهنم. بالرغم من أن النبي صلى الله عليه واله يشفع في أمته، و قد قال له الرب سبحانه وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أي من الشفاعة.
جاء في خبر مأثور عن أبي أمامة، في ما أخرجه الطبراني و أبو مردويه قال: (لما نزلت وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ جمع رسول الله بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله، فأجلسهم في البيت، ثم اطلع عليهم، فقال صلى الله عليه واله
«يَا بَنِيْ هَاشِمٍ! اشْتَرُوا أَنْفَسَكُمْ مِنَ النَّارِ، وَاسْعَوا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ، وَافْتَدُوْهَا بِأَنْفُسِكُمْ مِنَ اللهِ، فَإِنِّيْ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً.
ثم أقبل على أهل بيته فقال صلى الله عليه واله
يَا عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِيْ بَكْرٍ، وَيَا حَفْصَةَ بِنْتَ عُمْرَ، وَيَا أُمَّ سَلَمَةَ، وَيَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، وَيَا أُمَّ الزُّبَيْرِ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، وَاسْعَوا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ فَإِنِّيْ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَلَا أُغْنِيْ ..» [٢].
[٢١٥] و في الوقت الذي ينذر عشيرته الذين هم أقرب الناس إليه، يؤمر بالرحمة للمؤمنين، حتى ولو كانوا بعيدين عنه، فهو كالطائر الذي يخفض جناحيه لأولاده الصغار.
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إن هذا السلوك يساهم في صنع المجتمع المبدئي المتسامي عن العلاقات المادية، ونستوحي من هذه الآية أهمية التواضع و بالذات عند من يحمل رسالة ربه.
جاء في كتاب مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق صلى الله عليه واله
«وَقَدْ أَمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَعَزَّ خَلْقِهِ، وسَيِّدَ بَرِيَّتِهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله بِالتَّوَاضُعِ، فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ
[١] بحارالأنوار: ج ١٨، ص ١٩٧.
[٢] إرشاد القلوب للديلمي: ج ١ ص ٣٢.