من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - الأسرة سور الفضيلة
الحدود الشرعية حصانة المجتمع
[٢] بالرغم من أن الأسرة تبدأ عمليا بالزواج، إلا إن القرآن لا يبدأ بذكره، بل يذكر عقوبة الزنا أولًا، والسبب أنه من دون قانون يحصن الأسرة ويحفظها من الانحراف والاعتداء، تسقط كل القوانين الأخرى، فما فائدة الحصن الذي لا يحميه جدار رفيع؟.
وما هي فائدة الزواج في الأمم الكافرة، التي يجد فيها قطبا الأسرة الطريق مفتوحا لإشباع الغريزة الجنسية خارج البيت؟.
إذن تبدأ الأسرة في الواقع عندما تعطى لها حصانة، بفرض العقوبة على من يخترقها.
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ الجلدة هي الضربة التي تلامس جلد الإنسان، ولأن ما تلذذ به الزاني كان عن طريق جلده، الذي لامس جلد الجنس الآخر، فعليه أن يتذوق الألم عقابا له على هذه اللذة المحرمة. صحيح أن النفس البشرية تتألم لمنظر إنسان عار يجلد مئة جلدة ولكن يجب أن لا ننسى أنه انتهك حرمة دين الله. فإذا سمحنا له بالهرب من طائلة العقوبة، فذلك يعني أن نعرض المجتمع كله للفساد، لذا ينهانا القرآن أن نرأف بالزناة لأن التشديد عليهم يصلحهم من جهة، ويكون رادعا للآخرين عن التورط في هذه الجريمة البشعة من جهة أخرى.
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ولعله لذلك أكد القرآن هذا الحكم بقوله سبحانه إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
إن الحدود الشرعية ذات قيمة أساسية في المجتمع، وكثير من الناس تأخذهم الرأفة حينما يعدم قاتل أمام أعينهم، أو يجلد الزاني، أو تقطع يد السارق، دون أن يعرفوا خلفية هذا العمل العظيم، فإعدام القاتل- مثلًا- يمنع القتل عن الكثيرين، وبالتالي يمنح الحياة للمجتمع، وهكذا جلد الزاني يحصن الأسرة، وقطع يد السارق يحافظ على ثروات الناس.
وهكذا إذا انتشر الزنا في المجتمع فإن بيوتا وأسرا ستتدمر، و إن أطفالا أبرياء سيضيعون، أو سوف يتربون على العقد المتراكمة، التي تتحول إلى جرائم بشعة. أوليس أكثر الذين دمروا الحضارات كانوا من أبناء البيوت الفاسدة التي لم تعرف شرفا للأسرة؟.
ولأن هذا القسم من الناس لا يعرفون كل هذه الحقائق، تأخذهم الرأفة السلبية على حساب الدين، فقد يعطلون الحدود. ولكن من يؤمن بالله، ويعلم بأنه أرأف بعباده منه، وأنه عندما يأمر بجلد الزاني، فإن في ذلك مصلحة لكل الناس بل للزاني نفسه، لا تأخذه هذه الرأفة.