من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤ - الأسرة سور الفضيلة
عندما ينزل الماء من السماء تذهب كل قطرة منه، في اتجاه يختلف عما ذهبت إليه القطرات الأخرى، أما الآيات القرآنية فلم تتنزل لكي تتناثر هنا وهناك، بل قدر الله لها أن تكون وحدة متراصة، ضمن سور واحد هو القرآن الكريم، تطبق كمجموع فلا تتبعض، بل لا يمكن الأخذ بقسم منها وترك الآخر جانبا. هكذا فرض الله السورة.
وكما فرض الله السورة القرآنية، فإنه فرض الأسرة التي هي بمثابة سور الإنسان وحصنه، الذي يلجأ إليه في الحياة الاجتماعية، وهذا ما تؤكده آيات هذا الدرس من سورة النور.
وحيث إنه لا يمكن فرض شيء إلا بالقوة، فقد فرض الله حرمة الأسرة بقوة العقوبات، التي أوجبها بحق من يعتدي على نظامها في المجتمع الإسلامي، حتى إننا لنلاحظ شدة العقوبة عليه، إذ يجلد كل من الزانية والزاني مئة جلدة دونما رأفة.
وكما يفرض الإسلام عقوبة صارمة على مرتكب الفاحشة، كذلك يفرض على من يزني بلسانه، فيرمي الأبرياء والبريئات بتهمة الزنا. إذ يعتبر ذلك نوعا من الاعتداء على سلامة البيت الأسري، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بسمعته النظيفة، فالبيت الذي تلوكه الألسنة ليس محلا آمنا للحياة المستقيمة.
وبقدر ما يؤكد القرآن الحكيم على حرمة الزنا، فهو يؤكد على حرمة الاتهام، إذ يطالب المتهم بإثباتات كافية، لأن الاتهام ذاته قد يكون وسيلة لإشاعة الفاحشة، والمجتمع الذي تسقط فيه قيمة الشرف العائلي يسهل عليه الهبوط إلى حضيض الفواحش.
وبالرغم من الغلظة التي لا بد أن نقضي بها على الانحرافات الخلقية في المجتمع، يؤكد القرآن على أن للتوبة بابا واسعا فتحه الله أمام الناس كي يصلحوا ما أفسدوه، لأن الله سبحانه وتعالى- وهو خالق الإنسان- يعلم بما أودعه في هذا الكائن من شحنات غريزية تبرر الزلل والسقوط لديه، فلولا فتح أبواب التوبة له، فإنه لن يتمكن من النهوض بعد السقوط.
بينات من الآيات
[١] سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أنزل الله السورة فأوجبها، وحافظ عليها، برغم كل الأهواء، والشهوات والضغوط، التي تحاول سلب القرآن قدسيته ومحتواه. والآيات الواضحة التي جاءت في السورة، هي التي تذكر الإنسان. لأن قلبه مفطور على الحقائق، وإنما يحتاج إلى مذكر يثير فيه كوامن الفطرة ودفائن العقل.