من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٤ - وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين
وتشويهاً للحقائق الواضحة، هذا عدا اللغو والكذب والبهتان.
فعلى المؤمن أن لا يعطل عقله ويأخذ ما في هذا الإعلام أخذ المسلمات، بل عليه أن يستخدم عقله، ويعمل على تغذيته بقراءات موجهة هادفة، ليرى العالم على حقيقته لا كما يراه الآخرون.
وبعد عرض وجهات النظر القرآنية حول بعض الأفكار، يضرب ربنا سبحانه وتعالى الأمثال من واقع الأمم السابقة، و كيف أن المؤمنين قاوموا الصعوبات وهم يدعون إلى ربهم، دون أن ينهاروا إزاء الأذى والصعوبات التي تعرضوا لها.
استمر نوح عليه السلام خمسين وتسعمئة سنة. يدعو قومه دون أن يستجيبوا له، حتى اضطر أن يستقل ظهر السفينة عندما أراد الله إهلاكهم، فأنقذه الله سبحانه والذين آمنوا معه من الطوفان، وهذا النبي إبراهيم عليه السلام يمكث في قومه زمنا طويلا فلم يكن جزاؤه إلا الإلقاء في النار، ولما نجاه الله نفوه بعيدا عن بلاده، وهذه الامتحانات لا تدل على أن الله سبحانه لا يحب الإنسان، بل على العكس تماما، فقد تكون الفتنة في كثير من الأحيان دليلا على حب الله للمفتون، ولرفع درجته عنده.
جاء في الأثر: أن الإمام الحسين عليه السلام رأى جده رسول الله صلى الله عليه واله في المنام ذات مرة فشكا إليه جفاء قومه، فقال له الرسول صلى الله عليه واله
«إِنَّ لَكَ فِي الجَنَّةِ دَرَجَاتٍ لَا تَنَالُهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ»
[١]. وجاء في الحديث المعروف
«أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» [٢].
بينات من الآيات
[١٠] وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ادعاء وليس اعتقادا فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وهل تقاس الفتنة التي يمتحن الله بها عباده بعذابه؟! إنه قياس باطل، فأين الفتنة المحدودة البسيطة التي قد تنطوي على هدف كريم من العذاب الشديد الدائم، الذي يعني نقمة الله وهوانه على من فشل في دار الفتنة، وما الأذى الذي كان يلحق بالمؤمنين الصادقين عبر التاريخ إلا لأنهم كانوا يرفضون سلطات الجور والطغيان رغم ما كانوا يلاقونه من قمع وإرهاب. كانوا يلقون بالثلاثة أو الأربعة منهم في سجن مظلم لا يميز فيه الليل عن النهار، كانوا يتناوبون على قراءة القرآن لتحديد مواعيد الصلاة، فمثلا يقرأ الأول
[١] بحارالأنوار: ج ٤٤، ص ٣١٣.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٢٥٢.