من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - الوازع الديني وأثره في تحصين المجتمع
المرء بالأمن داخل منزله، حيث يضع ثيابه ويتخلص من العادات الاجتماعية المرهقة، ويستريح إلى طبيعته، وحيث زوجته التي يحب أن يخلو بها، ويبث إليها أسراره وعواطفه، ولعله يريد أن يقضي منها وطرا. فقبل أن تطأ قدماك بيتا غير بيتك، لابد أن تراعي آداب الدخول والتي منها
أولًا: الإستيناس وإعطاء إشارة لقصد الدخول. وفي التعبير القرآني روعة ولطف، فالإستيناس المتخذ من لفظة (الأنس) يوحي بضرورة رعاية الجوانب العاطفية فلا كلمات نابية، أو صياح عال أو طرق شديد للباب، بل رقة ومحبة وتلطف وتودد. وجاء في الأثر أن
«الِاسْتِئْنَاسُ وَقْعُ النَّعْلِ وَالتَّسْلِيمُ»
[١]. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: (قُلْنَا: يَا رَسَوْلَ اللهِ مَا الاسْتِيْنَاسُ؟. قَالَ صلى الله عليه واله
يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّسْبِيْحَةِ وَالتَّحْمِيْدَةِ وَالتَّكْبِيْرَةِ يَتَنَحْنَحُ عَلَى أَهْلِ البَيْتِ» [٢].
ثانياً: التسليم، إشعاراً بحسن النية وسلامة القصد. وليس هذا النظام شاذا عن الفطرة البشرية، بل متوافقا معها، وهكذا سائر الأحكام والآداب في الإسلام تتوافق مع فطرة البشر وعقله، وهذا ما تشير له الآية التي تحث الإنسان على التذكرة فكثير من الحقائق، معروفة لدى الناس، ولكنهم نسوها فاحتاجوا إلى التفكير ليتذكروها.
[٢٨] فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ إن لم يكن في البيت من يملك صلاحية الإذن بالدخول، أو وجد من يملكها، ولكنه لم يعط أذنا بذلك فليرجع، ففي ذلك زكاة للمجتمع، أي نمو للأخلاقيات والعلاقات الطيبة فيه، ولقد شددت النصوص الإسلامية على الاستيئذان وآدابه قبل دخول البيوت.
فهذا الرجل يستأذن على رسول الله صلى الله عليه واله بالتنحنح، فيقول الرسول لامرأة يقال لها روضة
«قُوْمِيْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمِيْهِ وَقُوْلِي لَهُ قُلِ: السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟
فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ فَقَالَهَا، فَقَالَ
ادْخُلْ»
[٣]. ويسأله رجل عما إذا كان من الضروري الاستيئذان على الأم ويقول: (إِنَّهَا لَيْسَ لَهَا خَادِمٌ غَيْرِيْ أَفَأَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا كُلَّمَا دَخَلْتُ؟ قَالَ صلى الله عليه واله
أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟،
قَالَ الرَّجُلُ: لَا .. قَالَ
فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا»[٤].
[١] وسائل الشيعة: ج ١٢ ص ٨٠، تفسير القمي: ج ٢ ص ١٠١.
[٢] تفسير مجمع البيان: ج ٧، ص ٢٣٧.
[٣] المصدر السابق: ص ٢٣٧.
[٤] المصدر السابق: ص ٢٣٧.