من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - الوازع الديني وأثره في تحصين المجتمع
وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه واله فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يُرِيدُ فَاطِمَةَ عليها السلام، وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْبَابِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَدَفَعَهُ ثُمَّ قَالَ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ
عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ صلى الله عليه واله
أَدْخُلُ؟.
قَالَتْ عليها السلام
ادْخُلْ يَا رَسُولَ الله.
قَالَ صلى الله عليه واله
أَدْخُلُ أَنَا وَمَنْ مَعِي؟
فَقَالَتْ عليها السلام
يَا رَسُولَ الله لَيْسَ عَلَيَّ قِنَاعٌ.
فَقَالَ صلى الله عليه واله
يَا فَاطِمَةُ خُذِي فَضْلَ مِلْحَفَتِكِ فَقَنِّعِي بِهِ رَأْسَكِ.
فَفَعَلَتْ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام
وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ صلى الله عليه واله
أَدْخُلُ؟.
قَالَتْ عليها السلام
نَعَمْ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ صلى الله عليه واله
أَنَا وَمَنْ مَعِي؟.
قَالَتْ عليها السلام
وَمَنْ مَعَكَ» [١].
بهذه الرقة والتودد، أدبنا الإسلام.
ويحسن بنا الانتباه إلى نهاية الآيات، فعادة ما تكون نهايتها مفاتيحها، كما تكون الآيات الأخيرة في السورة مفاتيح لها، وهنا يقول تعالى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. ويختم الآية بهذه الصفة الإلهية بعد أن يطرح مجموعة من القوانين والأنظمة لماذا؟.
الجواب: لعله لأن للإنسان قدرة التفاف هائلة على القانون، وتحويله إلى قشرة دون أي محتوى، ولكي يحذر الله سبحانه الناس، من الالتفاف حول النظام الإسلامي يحثهم على الالتزام به بدقة وإخلاص، ويذكرهم بأنه يعلم حقيقة أعمالهم، فلا مناص لهم من النصح في تطبيق الأحكام، فقد يخادع الإنسان أصحاب البيت فيوهمهم حين دخوله أنه يقصد هدفا شريفا، وواقعه خلاف ذلك، ولكنه لا يستطيع أن يخدع الله لأنه عليم بما يعمل الناس.
ودخول كهذا، هو كما لو دخل بدون إذن لا فرق إذ لو علم أصحاب البيت بقصده السيئ لما أذنوا له بالدخول.
وكثيرا ما يمتهن بعض المجرمين المهن التي تساعدهم على دخول البيوت، بحجة القيام بخدمات معينة لأصحاب المنزل كاصلاح بعض متاعهم، فيجدون بذلك فرصة سانحة للاطلاع على أعراض الناس، والتجسس على المؤمنين، ولا يعلمون أنهم بذلك قد ارتكبوا جريمتين
الأولى: جريمة الدخول بدون إذن، لأن هدفه سيئ.
الثاني: جريمة الإفساد في الأرض.
ولئن أفلت هؤلاء من علم أهل البيت أو السلطات الشرعية، فلن يفلتوا من علم الله.
[١] الكافي: ج ٥ ص ٥٢٨.