من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٦ - إنه لا يفلح الظالمون
الألوهية، واعتقد بأنه قادر على مقاومة الحق، وأن الحياة لا يحكمها قانون، لكن الواقع كان خلاف ذلك، فقد اصطدم بالواقع، إذ تبين له أن فيها سننا، و أن هناك من يجري هذه السنن.
بينات من الآيات
أنا ربكم الأعلى
[٣٨] يبدو أن موسى عليه السلام صعق الملأ بكلامه، فاهتزت قناعاتهم بفرعون، واضطره إلى الدفاع عن خرافاته بأساليب جديدة، حيث قال
أولًا: أنه يريد مصلحة الملأ، وأنه لم يجد إلها غيره يحققها، و تظاهر ثانيا: بأنه سوف يبحث عن ذلك الإله الذي يدعو إليه موسى وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فما دام هو لا يعلم من إله غيره، فالآخرين لا يعلمون أيضا، بل يجب أن لا يعلموا، وهو يقول لَكُمْ لإيهامهم أنه ينفعهم، وهو يخاطب الملأ، لأنه كان قد سلطهم على الناس، وأعطاهم امتيازات كثيرة.
فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً قال لِي وليس للشعب، أو من أجل القيم، والصرح هو العرش أو القصر المرتفع، الذي كان قديما يبنى من الآجر، وهذا بدوره يصنع من الطين بعد تعريضه للنار، وما هو هدفه من بناء هذا الصرح؟.
لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ
الهدف الأول: إظهار القوة، فكلما شعرت السلطات الفاسدة، عبر التأريخ بأنها ضعيفة، وأنها سوف تنهار، سعت للبحث عن مظهر من مظاهر القوة، حتى ولو كان هذا المظهر هو بناء العمارات أو الجسور، التي تشملها عمليات ما يسمى بالتحديث.
ولا ريب أن قسما من الناس السذج يعجبون بمثل هذه الأعمال، فيتصورون الطاغوت بقوتها وضخامتها، وفرعون عندما يبني هذا الصرح أو تلك الأهرامات فلكي يغطي بها الاهتزاز الذي أصاب كيانه الجاهلي بسبب رسالة موسى عليه السلام.
واليوم نجد كثيرا من الأنظمة الفاسدة تكدس الأسلحة، لتتظاهر أمام شعوبها بالقوة، ولعل الآية توحي بنظرية في علم الاجتماع تقول: إن التضخم المادي ينبئ بخلل داخلي يعاني منه المجتمع أو النظام السائد فيه، وكما المتكبر يستعلي عندما يحس بعقدة الضعة في نفسه، كذلك المجتمع المغرور داخليًّا يهتم بمظاهر الأبهة كبناء القصور الضخمة، أو المعابد الكبيرة، أو ما