من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - آنس من جانب الطور نارا
منك. وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ.
[٢٨] فأجابه موسى قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، وبقي موسى عليه السلام يعمل عند شعيب عليه السلام وقد جعل الله ذلك كرامة لنبيه شعيب لما هو عليه من التقوى والزهد.
قال رسول الله صلى الله عليه واله
«بَكَى شُعَيْبٌ عليه السلام مِنْ حُبِّ الله عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ يَا شُعَيْبُ إِلَى مَتَى يَكُونُ هَذَا؟. أَبَداً مِنْكَ إِنْ يَكُنْ هَذَا خَوْفاً مِنَ النَّارِ فَقَدْ آجَرْتُكَ وَإِنْ يَكُنْ شَوْقاً إِلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ أَبَحْتُكَ. فَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا بَكَيْتُ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلَا شَوْقاً إِلَى جَنَّتِكَ وَلَكِنْ عَقَدَ حُبُّكَ عَلَى قَلْبِي فَلَسْتُ أَصْبِرُ أَوْ أَرَاكَ فَأَوْحَى اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَمِنْ أَجْلِ هَذَا سَأُخْدِمُكَ كَلِيمِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ» [١].
وهكذا كان حيث زوج شعيب ابنته لموسى لقاء العمل عنده لمدة ثمان سنوات أو عشر، وعلى هامش هذا الزواج هناك حقائق نشير إليها
الأولى: من الممكن أن تختار المرأة الزوج المناسب لها، لأن الزواج قضية مصيرية، ذات أثر عميق على حياة المرأة ومستقبلها، ولكن هذا الاختيار يجب أن يكون بطريقة لائقة، تتناسب مع حشمة المرأة، والقيم الإلهية، فهذه بنت شعيب إنما اختارت موسى لما وجدت فيه من الصفات و المؤهلات، من قوة وأمانة، والتزام بمفاهيم الرسالة، ثم عرضت اختيارها بأدب على أبيها.
الثانية: قبل أن يتقدم موسى عليه السلام بطلب الزواج، بادر شعيب إلى ذلك، حيث وجده كفوءا، ووجد في زواجه من ابنته ضمانا لمستقبلها، وسعادة لها في الحياة، وهذا خلاف ما نجده الآن في المجتمعات التي صار فيها عرض الأب بناته للزواج ممن يجده أهلا لها عيبا كبيرا.
الثالثة: إن البنت الصغرى هي التي تزوجت وليست الكبرى. على عكس بعض التقاليد الخاطئة التي ترى ضرورة زواج الكبرى أولًا.
[٢٩] وبقي موسى عند نبي الله شعيب عليه السلام عشر سنوات، وهي أقصى الأجلين قبل أن يقرر العودة من جديد.
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ وكان هذا إيذانا بدخول الحركة الرسالية مرحلة
[١] بحار الأنوار: ج ١٢، ص ٣٨١.