من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - فألقي السحرة ساجدين
يرونه حقا. كلا .. إنما كان الهدف تكريس سلطة فرعون، لذلك قالوا لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ ولعل هذه الآية تشير إلى الهجمة الإعلامية التي قامت بها أجهزة السلطة ضد موسى عليه السلام وصنعت أجواء رفض رسالة الله، و اتباع السحرة حتى قبل نزولهم إلى حلبة التنافس.
[٤١] وجاء السحرة، واجتمع الناس، وعبئت الأجواء لتأييد فرعون، وتكونت فرق التشجيع على أطراف الحلبة لصالح السحرة، ودقت الطبول، واستعد الجلادون لإنزال أقسى العقوبات بموسى وأخيه، والتنكيل ببني إسرائيل، وخنق كل صوت للمعارضة، وتمثل السحرة أمام فرعون يطلبون أجرا. أوليسوا قد سخروا طوال الفترة للعمل في البلاط بلا أجر، أو لم يكن عمل السخرة شائعا في عهد فرعون، أو لم تنتشر على أطراف أهرامات مصر التي بناها الفراعنة قبور المحرومين على امتداد أميال، من أولئك الذين كان يجمعهم النظام من أطراف مصر ليبنوا مقابر لأركانه، وليعلو بذلك مجده، ثم يسخرهم بلا أجر في ظروف قاسية، فإذا ماتوا أهال عليهم حفنة من التراب و جاء بغيرهم؟! آه كم استخف الظالمون بأرواح البشر، وإلى اليوم، وإلى متى؟!.
كلا .. هذه المرة نطالبه بأجر. فرعون هذا اليوم يختلف عنه بالأمس، إنه مضطرب. دعنا نستغل ذلك لمطالبته بأجر على الأقل.
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ فإذا كان الأمر كذلك فسوف نبذل المزيد من الجهد للغلبة.
لقد اهتز ضميرهم منذ اللحظة الأولى التي واجهوا فيها موسى.
فمن هذا الراعي الذي جاء بعصاه يتحدى أكبر طاغوت، وأعظم إمبراطور، ولماذا عجز فرعون عن التنكيل به كما ينكل بألوف الناس من بني قومه؟!.
وجاء في تفسير علي بن إبراهيم
«وَأَقْبَلَ مُوسَى يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتِ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ: إِنَّا نَرَى رَجُلًا يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ سِحْرُنَا السَّمَاءَ» [١].
[٤٢] فرعون يعرف- كما سائر الطغاة- بأن العرش إنما يصنعه هؤلاء (أدعياء الدين والعلم) الذين يسرقون سلاح الرفض من أيدي المحرومين، و يزرعون فيهم الخوف والخنوع، وأنه لا بد من شراء ضمائر هذه الطائفة المخاسرة بأي ثمن. لذلك ...
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ١١٨، بحار الأنوار: ج ١٣ ص ١٢٠.