من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٩ - التدبر وآفاق السنة الشريفة
١- اعتماد الروايات الموثوقة
إنّ الروايات والأحاديث المتعلقة بقصص القرآن وأسباب النزول وتفسير الآيات على نوعين؛ النوع الأول يمثل الروايات الصحيحة والموثوقة، والنوع الثاني يتمثل في الروايات أو التفاسير غير المؤكدة والتي لنا منها موقف آخر.
فبالنسبة إلى النوع الثاني من الروايات والتفاسير ينبغي الاستناد فيها إلى أهل الخبرة (في الحديث والفقه والمعارف)، للتعرف من خلال مضمونها على مدى صحتها وصدقها [١].
٢- التجسير والتفكر
إذا كانت السنّة بيانًا للقرآن، فإنّ القرآن مهيمن عليها، لكن هذا لا يكون ذريعة للإعراض عن السنة؛ فينبغيّ ألّا نتسرَّع في رفضها واعتبارها زخرفًا من القول، أو ضربها عرض الحائط، وإنّما درايتها ودراستها بعمق. ولمعرفة هذه الحقيقة علينا أن نشير إلى الحقيقة التالية
[١] لتوضيح الصورة نشير الى الآتيآية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
اولا: الاسلام بناء شامخ رصين يشد بعضه بعضا، وتكامل هذا البناء يجعل كل جزء منه متتصلا بسائر الاجزاء متوافقا منسجماً معها، وهكذا يشهد الاصل على الفرع كما يشهد الفرع عليه، والقيم السامية تشهد عليها .. وهكذا لا تشذ المفردات عن بعضها، ولا تختلف وانما تتوافق وتتكامل، وقد قال سبحانه وتعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: ٨٢). وقد ارشدنا النبي وخلفاؤه المعصومون عليهم السلام الى هذا المنهج في تقييم النصوص، فامرونا بان نعرض كلماتهم المباركة على كتاب الله فما وافقه اخذناه، كما اخبروا بان الكتاب والعترة (اي الاحاديث التي نقلت عنهم) لا يفترقان حتى قيام الساعة.
وهذا المنهج لا يقتصر على كتاب الله سبحانه اذ انه يشمل ايضا الاحاديث فهي كلها تشع من مشكاة واحدة. فلا بد من اخذها جملة واحدة ثم دراستها على ضوء بعضها، فاذا راينا حديثا يطرح فكرة شاذة لا تنسجم مع سائر الاحاديث لم ناخذ به.
ان دراسة محتوي الكلام وتقييمه على اساس سائر المنظومة الفكرية، او على معيار سائر المعلومات التي يملكها الانسان، انها شرط اساس من شروط اعتماده عند العقلاء.
ثانيا: اذا ورد حديث يخالف اجماع الامة، او كان اجماع يخالف ضرورة العقل او نص الكتاب، او كان ظاهر يخالف ضرورة العقل .. فإن كل هذه الملابسات تدعونا الى المزيد من التثبت في الدليل، لماذا؟. لان قوة كل دليل محدودة بقدر معين، ولا يمكن ان تعارض دليلا اقوى، اما الدليل المشابه فانه تضعف دلالته الى درجة التعادل، مما نضطر معه الى البحث عن دليل آخر.
ثالثاً: ان العقل لا يعطي ثقة مطلقة لاي دليل، وانما في حدود الثقة العقلائية به، اما الادلة الشرعية التي قد تقام على صحة بعض هذه الادلة مثل الشهرة او الاجماع او اليد او البينة. فلانها امضاء للسيرة العقلائية، وتاكيد عليها، فهي الاخرى لا تعطي ثقة مطلقة بها، بل فقط في حدود ثقة العقل بها واعتماد العقلاء عليها.