من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٠ - كيف أخفى علماء السوء شعائر الله؟
هاجر سبعة أشواط من طوافها بين الجبلين، وجدت آثار الماء تحت قدمي ابنها إسماعيل. فشرع الله السعي بين هذين الجبلين، تخليدا لذكرى هاجر ورمزا لسعي الإنسان في سبيل الله. بيد أن المشركين وضعوا حجرين على الصفا والمروة واختلقوا لهما قصة خرافية وأخذوا يعبدونهما ويسعون من أجلهما، وظن بنو إسرائيل- وتأثر بهذه الشبهة بعض المسلمين- أن الطواف بين الجبلين أصبح وهماً لمجرد أن الجاهليين وضعوا عليهما صنمين، فجاءت الآية تنفي هذا الاعتقاد، وترفع تحرج المسلمين من أنه شيء صنعه المشركون، يقول تعالى* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الشعيرة هي الرمز، حيث إنها دليل على الإيمان، ويطلق على محل العبادة، كالصلاة والحج وما أشبه، قال الطبرسي قدس سره في مجمع البيان: [وكل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة] [١].
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ويسعى بينهما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالتأسي بهاجر، وسعى بين الصفا والمروة كما سعت.
والتطوع الانقياد وقبول المشقة في الطاعة أو الزيادة في الطاعة، لذا يلائمه المستحب كما هوالغالب، فالمعنى فمن تطوع بعد أداء الواجب منه ومن الطواف، وسائر الأفعال الخيِّرة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
رسالة العلم
[١٥٩] العلم رسالة يجب أن تخدم هدف الإنسان في الحياة، أما إذا استغل العلم في سبيل مصالح خاصة فسوف، يصبح وبالا على المجتمع ووبالا على صاحبه، وسوف يفتضح هذا العالم أمام الناس والتأريخ، فيعتزله الناس ويصبح منبوذا.
كانت قصة الصفا والمروة مثلا لما يستطيع أن يفعله العلم إذا استخدم في سبيل إضلال الناس، حيث حولوه من شعيرة دينية إلى عمل محرم.
وبعد هذه القصة وحتى اليوم نجد علماء سوء، يكتمون الحقائق عن الناس، ولا يؤدون أمانة العلم العظيم إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ الكتاب لم يأت لطائفة معينة، إنما جاء هدى للناس جميعا، والذين يكتمون تشريعاته المفصلة الْبَيِّنَاتِ أو قيمه الموجزة وَالْهُدَى عن الناس الذين نزل الكتاب لهم أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ.
[١] مجمع اليان: ج ١، ص ٤٣٨.