من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٨ - رسالة عيسى عليه السلام من ميزات النشأة إلى خصائص الرسالة
الذي يقدره اليوم الملايين؟! أما عند الله فهو نبي وجيه، ومن الأنبياء أولي العزم، الذين فضلهم الله على العالمين وجعلهم مقربين إليه سبحانه.
[٤٦] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ فهو لا يدعو الناس فقط، بل ويدعو نفسه إلى الله، ويعبد الله سبحانه بإخلاص.
[٤٧] قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
مريم الصديقة ارتاعت وامتلكها التعجب والدهشة، كيف يرزقها الله ولدا؟! وهكذا كانت القضية غيبية، متصلة بإرادة الله، ولم تكن طبيعية مرتبطة بسمو مريم إلى درجة الألوهية، أو سمو عيسى إلى هذه الدرجة. وإلا فإن العملية لم تكن عجيبة بالنسبة إلى مريم نفسها.
إنما كانت خلقة الله لعيسى تماما كخلقته لكل شيء في الكون، لم يكن، ثم كان بإرادة الله، وبكلمته لها كُنْ، فهل صحيح أن نقول: إن الله ولد الأشياء لمجرد أنها لم تكن، ثم كانت؟! كذلك غير صحيح أن نتصور عيسى ابنا لله لمجرد أنه وُلِدَ بصورة غير طبيعية.
[٤٨] وعيسى لم يكن إلها، بل بشرا علمه الله الأسماء، ولو كان ذا طبيعة إلهية، إذن لما احتاج إلى تعليم الله له؛ لأن من يتصف بالألوهية يعلم الأشياء ذاتيًّا، أما عيسى فقد أعطاه الله من علمه بقدر ما شاء.
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ لعل الكتاب هو الدستور الثابت المتصل بالرؤى العامة في الحياة. أما الحكمة فهي التشريعات العملية الخاصة ذات الصبغة التطورية، والكتاب كان يتمثل في التوراة، أما الحكمة فكانت موجودة في الإنجيل.
[٤٩] وبعد أن علمه الله الكتاب والحكمة، اختاره نبيا، وأعطاه صفة الرسالة عطاءً، دون أن يمتلكها ذاتيًّا، كما يمتلك أحدنا- مثلا- عينه.
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وليست الآية مني بل من الله وأنا واسطة نقل فحسب، وهكذا لم تكن معاجز عيسى دليلا على أنه ابن الله، إذ كانت تلك المعاجز في الواقع من الله وإنما ظهرت على يد عيسى، كما أن العين مثلا آية عظيمة من آيات الله، ولكنها تظهر في جسدي وجسدك. فهل هي دليل على أننا آلهة (سبحان الله).
من هنا نجد كلمة بِإِذْنِ اللَّهِ تتكرر في المقطع التالي، للدلالة على أن كل تلك المعاجز هي من الله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ تمثالا واجعله كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ