من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٨ - هل نكون من الشاكرين؟
[٤١] أصعب ما يتعرض له المؤمنون من امتحان هو مقاومة العادة. المؤمن متعود على طريقة معينة من السلوك، استنادا إلى نصوص دينية جاءت في مرحلة معينة من مراحل الحياة، ولكن تتبدل تلك المرحلة وتتبدل النصوص وفقا لذلك، ولكن الفرد قد يظل أسير عاداته السابقة، فعليه أن يبذل المزيد من الجهد حتى يقاوم عاداته السابقة ويلتزم بطاعة الله.
من هنا أخذ الله عهدا قاطعا من جميع الأنبياء، أن يصدقوا النبي الذي يأتيهم لاحقا ويتبعوه، ولا تأخذهم في اتباعه أنفة أو عادة أو عزة بالآثم. حاشاهم. وفي هذه الآية يذكر الله بني إسرائيل بذلك ويقول وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ إذ مادامت الرسالة واحدة والهدف ليس تحقيق مصالح ذاتية، بل طموحات إنسانية عامة، فلابد أن يسارع المؤمنون بالرسالات السابقة، إلى الإيمان بالرسالة الجديدة، وإلا فسوف يدفعهم التنافس إلى أن يكونوا أول كافر بهذه الرسالة، سعيا وراء كسب شارع المتدينين، وخوفا من فقدان قاعدتهم الإيمانية. كذا حذر الله بني إسرائيل قائلا وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وبيَّن أن سبب الكفر المبكر بالرسالة قد يكون المصالح الذاتية فقال وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلًا، وقد يكون السبب الخوف من بعض أصحابهم من ذوي العقول المتحجرة لذلك قال الله لهم وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أي اجعلوا تقواكم وخوفكم فقط مني ومن عذابي وبطشي.
[٤٢] وبعد الكفر تبدأ سلسلة من عمليات التزوير والتحريف، أولها خلط الحق بالباطل، وكتمان جانب من الحق وإظهار جانب آخر، بحيث يثبت حجة أهل الباطل.
إن صاحب الرسالة يجب ألَّا يخدع الناس فيظهر لهم الجوانب التي تبرر سلوكياته. ويخفي عنهم الجوانب التي تدين تصرفاته. وهذا ما سوف يقع فيه من لا يسارع إلى اتباع الحق، حيث حذر القرآن قائلا وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
[٤٣] ولكيلا لا يفعل صاحب الرسالة هذه الجرائم، عليه أن يتوكل على الله، ويستعين به عن طريق الصلاة والإنفاق. ذلك لأن التنازل عن المصالح الشخصية والاستسلام المطلق للحق المتمثل في الرسالة الجديدة ليس سهلا أبدا، بل هي بحاجة إلى ما يدعمها من الصلاة والزكاة. من هنا قال الله سبحانه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وإذا كانت الصلاة لله فلماذا تختلف صلاة عن صلاة، ومعبد عن معبد ليجتمع الكل في صف واحد. ليركعوا لله الواحد الأحد، وليمنعوا عن رسالة الله كل مظاهر المادية المقيتة.
[٤٤] إذا لم يسارع المؤمن بالرسالات السابقة إلى الإيمان برسالة الله الجديدة، فإنه يضطر إلى ممارسة الرياء والنفاق، والتظاهر بالتدين والتنسك والعمل بالأهواء، ذلك لأن