من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - القيادة الصحيحة في المنظور القرآني
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً أي تخشوا من بطشهم، وآنئذ سيكون التسليم لولايتهم تسليما ظاهريا فقط. في حين أنهم يحتفظون بانتمائهم الحقيقي لرسالتهم الصحيحة.
إن التقاة ممارسة عملية الجهاد سرية ضد الطغاة، وهي عملية صعبة ليست فقط لاحتمالات الخطر التي تهدد الرسالي في كل لحظة، وإنما- أيضا- لاحتمال الاستسلام لإغراءات السلطة والثروة و. و. التي لابد أن يتصارع الرسالي معها طوال الفترة التي يقوم بالعمل السري.
إن مثل الرسالي هنا كمثل الطبيب الذي يعالج طائفة من المجذومين فلو لم يكن في جسده مناعة كافية، ستسري إليه عدوى الجذام ..
ومن هنا يذكر القرآن هؤلاء العاملين بأنه رقيب عليهم، وعليهم أن يحذروه وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ حيث يحاسب الناس ليس على شكليات الولاية فحسب، وإنما على روح الانتماء أيضا. أي على ما يجري في القلب من ارتباط صادق.
الجهاد وجه التوحيد البارز
[٢٩] إن مقارعة الطغاة- وهي الوجه الحاد للتوحيد وإخلاص العبادة لله- بحاجة إلى ضمير ديني حي. وهذا الضمير الديني يصنعه الإحساس الدائم برقابة الله على الإنسان، وهيمنته المطلقة على أعماله. من هنا ذكرنا القرآن قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ إن العمل لا يكون صالحا أو فاسدا، إلا حسب موقعه الذي يجعل فيه، والهدف الذي يتوخاه صاحبه. فالصلاة قد تكون رياء وقد تكون لله، والصلاة هي هي، لا تتغير في ظاهرها أما واقعها فيختلف اختلافا بيناً.
من هنا تكون تعاليم السماء لتزكية النفس، وتطهير الروح من النية الفاسدة، والهدف الطالح. إن الله يعلم خبايا النفس البشرية، ويحاسب الناس على الأهداف الحقيقية التي يريدون تحقيقها بأعمالهم.
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ومن هنا فإن انحرافات البشر النفسية، وما وراءها من انحرافات مادية جميعا، يحيط بها علم الله وقدرته، إحاطة تامة. ثم إن الله بعلمه يحصي الأخطاء، وبقدرته يجازي عليها وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إن قوة الجبابرة لن تكون أكبر من قوة الله، فلماذا يرهبهم الإنسان؟!
[٣٠] ويتجلى علم الله وقدرته في يوم البعث يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ