من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - دور رسالات الله في بناء الحضارات
[٥٧] دال: وبعد أن أنقذ الله بني إسرائيل برسالته الكريمة عن مشاكلهم (استعباد فرعون، عبودية العجل، طبقة أصحاب العجل، رواسب الشرك) اسبغ عليهم مختلف النعم المادية وقال سبحانه وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فهناك نعمة السكن ونعمة الغذاء. والمن هو الحلوى. والسلوى هو طير معروف. كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ولكنهم كفروا بأنعم الله .. مثلما يحدثنا القرآن بعدئذ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إنهم أرادوا الدخول في المدينة، وكانت تلك نكسة لهم. إذ الاستقرار كان سيفقدهم الكثير من مزاياهم، ومنها بالطبع حريتهم وقدرتهم على مواجهة أعدائهم. ولكنهم تعبوا من حياة البدو، وأسلموا أنفسهم للخفض والدعة. فقال لهم الله اهْبِطُوا مِصْراً.
[٥٨] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ولكي يضمن لكم الاستقرار في المدينة فعليكم التزام الطاعة لله، والتضرع وحسن السلوك وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً لله وَقُولُوا حِطَّةٌ أي توبة إلى الله نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.
[٥٩] ولكن، يبدو أنهم لم يطبقوا تعاليم الله، فأخذوا يتكبرون ويسرفون ويقولون (حنطة خير لنا من حطة ..) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ متمثلا في نقص في الثمرات، وخلاف عريض بينهم على مغانم المدينة. حسبما يذكره القرآن في آية آتية. والسبب في ذلك الرجز هو فسقهم، وابتعادهم عن تعاليم الله.
[٦٠] تلك كانت نعمة الاستقرار التي أسبغها الله عليهم، ولكنهم كفروا بها. وهذه نعمة الماء الأشد ضرورة للعمران يسبغها عليهم ربنا ويقول* وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ لأنهم كانوا اثنتي عشرة قبيلة مختلفين. وكان من المفروض ألَّا تتداخل حياتهم مع بعضهم لوجود الحساسيات القديمة بينهم كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ولكن مع توافر النعم تنمو عند الإنسان حالة الطغيان ويقوم بالاعتداء على الآخرين، أو الإسراف في استهلاك المواد. من هنا حذرهم الله فقال وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
[٦١] كان بنو إسرائيل أمة بدوية ثم تحضرت. ولكنها لم تستطع أن تقاوم سلبيات التحضر فأستعبدها فرعون في مصر، وتجذرت بذلك حالة العبودية في نفوسهم. فأصبحوا ضعفاء جبناء مختلفين لا يثق بعضهم ببعض. ثم قادهم النبي موسى عليه السلام إلى سيناء. وتربى في الصحراء جيل منهم استعادوا بعضا من خصائصهم الأولى التي تميزوا بها حين كانوا بدوا. ولكن كثيرا من آثار مرحلة العبودية لم تزل في نفوسهم وحين طلبوا من نبيهم أن يأذن لهم