من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٩ - اليهود بين تضليل الأحبار وأماني الجهلة
وعلاقاتهم.
انظر إلى السياق كيف يعبر عن حالة هذه الطبقة السحيقة وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَ يعني أن الكتاب في نظرهم أصبح مجرد أحلام يمنون أنفسهم بها دون القيام بأي نشاط حقيقي من أجل تحقيق أهداف الكتاب وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وهؤلاء لا يستثيرون عقولهم ليفكروا أو ليبدعوا، إنما يستثيرون بالكتاب خيالهم ليتصوروا وليحلموا به. ويحتمل أن يكون المعنى من الظن هذا التقليد.
[٧٩] إن هؤلاء الأميين مقصرون لا ريب في ذلك. إلا أن وزرهم الأكبر يقع على عاتق أولئك الذين ضللوهم وحرفوا معاني الكتاب حتى حولوه إلى مادة تخدير، من بعد أن كان مادة تفجير. وحولوه إلى مثير أحلام، من بعد أن كان مستثيرا للعقل ومنهجا للفكر. لذلك يحدثنا القرآن عن هؤلاء فور ما ينهي حديثه عن الأميين ويقول فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا وهؤلاء هم أولئك المحرفون الذين سبق الحديث عنهم، إنما يكرره القرآن ليلقي عليهم مسؤولية ضلالة الأميين وليقول إن الهدف من التحريف إنما هو الحصول على المكاسب المادية التافهة. تلك المكاسب التي لا تهنأ لهم وتلك الحرفة التي سرعان ما تتحول إلى نقمة فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ أيّ كسب مبارك تلك الحرفة التي تؤدي إلى انحراف الملايين من الناس، وتجعلهم عرضة للاستغلال والاستعباد؟!
إن الطغاة يريدون أبدا أن يتحكموا في مصير الضعفاء. والطريق الوحيد لحماية الضعفاء من الطغاة، هو تسليحهم بما يعلمهم كيف يجب أن يحافظوا على كرامتهم، ويستردوا حريتهم. والدين هو ذلك الوعي وتلكم الوسيلة. والعلماء هم أمناء الله عليه. فإذا خان هؤلاء مسؤوليتهم، فأية جريمة كبرى يقترفون، حيث يجردون ملايين الضعفاء من سُبل النجاة، ويتركون الطغاة يستغلونهم. بل إنهم يساهمون في هذا الاستغلال مباشرة عبر تفسيرهم التحريفي للدين.
بين الأماني والظنون
قالوا عن الأماني: إنها ما يتخيله الإنسان فيقرر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم: [فلان يعد فلانا ويمنيه]. ومنه قوله تعالى يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً [النساء: ١٢٠] وحُكي عن الإعرابي أنه قال لمن حدثه: [أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته] [١]. وفي الكشاف في تفسير الآية: [ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم- أي
[١] الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل، الزمخشري، ج ١، شرح ص ٢٩٢.