من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - القرآن الحكيم وبناء الحكمة
وهذا هو الذي ندعو اليه .. التبصُّر في الدين لمعرفة ما خفي علينا من أحكام من خلال تلك الحِكَم التي بيَّنها ربنا في كتابه.
سنن الله .. حكم الشرائع
وإذا تدبّرنا أكثر فأكثر في جملة الكتاب الكريم لوجدنا إنّ ربنا سبحانه يبيِّن فيه سننه في الخلق، التي هي اصول الحكمة، والحقائق التي تنتهي إليها علل الشرائع. كيف ذلك؟ دعنا نفصل القول في ذلك.
القرآن كتاب الخليقة الناطق عنها، والمذكِّر بحقائق الكائنات وبعلاقاتها وبِعِبَرِها وبقوانينها العامة، وآفاق حركتها.
ربنا يبيِّن في كتابه ما هو هذا العالم الذي يحيط بنا؟ وما هي أهداف خلقته؟ ونحن مَنْ؟ وماهي غاية خلقتنا؟ كما يبيِّن سنن الله التي أجراها في الخلق .. مثلا سُنّة الصيرورة، سُنّة الزوجية، سُنّة التطوّر، سُنّة الهلاك، سُنّة الصراع، سُنّة المسؤولية والجزاء.
وحينما يذكِّر بسننه التي تلتصق أكثر فأكثر بحياتنا، يُفصِّل القول فيها تفصيلا، ويبصِّرنا بأنفسنا وما تعمل فيها من شهوات عاصفة، وأهواء جامحة، ونوازع فطرية خيّرة، ويضرب لنا من كل شيء مثلا، ويقصّ علينا عِبَر الغابرين، ويحدّثنا عَمَّن نجا كيف نجا، وعَمَّن هلك لِمَ هلك؟.
وأحكام الشريعة مطابقة لسنن الله في الخلق .. إنّها الحق كما الخلق حق، فهي تعبيرات عن سنن الله في الكائنات.
فحين يأمرنا الله بتحدي الطاغوت وتجنّبه، فهذه شريعة إلهية مطابقة لسُنَّةٍ بيَّنها ربنا سبحانه عبر قصص الذين اتبعوا الطاغوت فدمرهم الله شر تدمير.
وحين يأمرنا باتباع رسل الله وطاعة أوليائه، يسوق لنا مثلا للذين آمنوا من واقع المؤمنين الذين اتّبعوا النبي نوحاً عليه السلام فنجّاهم الله من الطوفان، ومثلا للذين كفروا من واقع الذين كفروا فأغرقهم الله.
فكل حُكْمٍ يتبع حِكْمَةً، وكل حكمة تتصل بسُنّة، وقد بيَّن الله الحُكْم، وعلَّم حكمته، وذكَّر بسُنَّته.
ولنضرب مثلًا قرآنيا من سورة الزمر، وكيف نهى الله عن اجتناب الطاغوت فقال